ومع استمرار الضغوط الأمنية والعسكرية، تتجه الدول والشركات إلى البحث عن مسارات بديلة، تشمل خطوط الأنابيب والموانئ والطرق البرية والسكك الحديدية، في محاولة لتقليل الاعتماد على الممرات التي قد تتحول إلى نقاط اختناق استراتيجية. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت الأزمات الحالية ستدفع العالم إلى إعادة رسم
خريطة الطاقة والتجارة، وما إذا كانت هذه التحولات ستغير كذلك أهمية المناطق والدول المطلة على تلك الممرات.
ويرى خبراء وسياسيون أن تداعيات الصراع لن تتوقف عند حدود التأثيرات العسكرية أو السياسية المباشرة، وإنما قد تمتد لسنوات طويلة، مع احتمال تحول بعض البدائل التي يجري تطويرها حاليا من حلول مؤقتة إلى مسارات استراتيجية دائمة. وبينما يمكن للسفن الالتفاف حول مناطق الخطر، فإن ذلك يفرض تكاليف إضافية ويطيل زمن الرحلات، الأمر الذي يدفع الاقتصادات الكبرى إلى الاستثمار في بنية تحتية جديدة للنقل والطاقة.
وفي المقابل، يظل الموقع الجغرافي لمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس عاملا يصعب تجاوزه بالكامل، رغم محاولات بناء بدائل برية وبحرية. فهل نحن أمام إعادة توزيع لأهمية الممرات التقليدية، أم بداية تحول أوسع في مفهوم
القوة الجيوسياسية، بحيث تصبح القدرة على تأمين طرق التجارة والطاقة عاملا حاسما في تحديد نفوذ الدول خلال السنوات المقبلة؟
بداية، يقول رئيس مركز جهود للدراسات باليمن، الدكتور عبد الستار الشميري، إن الحرب الأمريكية-الإيرانية، التي توسعت وأصبحت أشبه بحرب ممرات ومضائق أكثر منها حربا في شيء آخر، هي
حرب اقتصادية بالمقام الأول، ثم حرب عسكرية. وهي قطعا ستعيد أولا توزيع النفوذ السياسي بصورة جزئية، لكن الصورة الأشمل والأوسع أنها ستعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة العالمية.
وأضاف في حديثه لـ"
سبوتنيك": على سبيل المثال، مضيق هرمز كشريان للطاقة، وباب المندب كشريان للطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا. هذه المخاطر ستجعل العالم يتدحرج تدريجيا من الاعتماد على هذه الممرات الاستراتيجية إلى بناء شبكات من البدائل: برية وبحرية، وأنابيب جديدة، وموانئ بديلة، وسكك حديدية، وممرات برية، وطرق برية-برية، وربما يبتكرون شيئا آخر. دائما الحاجة تفتق الحيلة، لكي يتجنبوا مناطق الصراع التي ربما، حتى وإن هدأت، ستبقى مناطق صراع محتدمة في المستقبل.
وتابع الشميري: حتى قناة السويس، وإن كانت بعيدة الآن عن الأخطار، يمكن أن تظل مهمة، لكن أهميتها سوف تتقلص. باب المندب الآن، في هذه اللحظة، تحول من ميزة جغرافية لليمن إلى نقمة، يعني إلى نقمة هائلة لليمن وللدول المتشاطئة على البحر الأحمر، ومصدر من مصادر الخطر. وكذلك ستنمو كثيرا جماعات القرصنة وجماعات الإرهاب. ستنشط القاعدة ربما على السواحل وتخوم أفريقيا، وشباب الصومال، وهلم جرا. الساحل اليمني الطويل، وما يقارب أكثر من 200 جزيرة، هذه أيضا ستكون إحدى بؤر القلق، وستتحول أيضا من مميزات إلى مصدر مشاكس.
وأشار رئيس مركز جهود إلى أن كل ما سبق سيجعل
الممرات الجديدة هي الطريق، وسوف تستثمر فيه ربما كبرى الشركات العالمية. وستبدأ الاقتصادات تضع في موازناتها جزءا مخصصا لهذا المسار الجديد في البحث عن الأمان أو الطرق الآمنة. قد يأخذ هذا، على الأقل، عقدا من الزمن، عشر سنوات على الأقل، حتى يتحقق الهدف. سيتحقق كل سنة بشكل تدريجي، لكن قد تكتمل ملامحه بعد عشر سنوات على الأقل حتى يتكون.
واستطرد: يمكن أن تبقى هذه المضائق، إذا ما استمرت لها أهمية جزئية، لن تكون كما هي، وهذا التغيير سيكون في الحقيقة تغييرا جيوسياسيا، لأن النظريات الاستراتيجية والجيوسياسية بنيت على أن البحار والممرات هي القاعدة والقوة، وهناك العديد من النظريات التي تتحدث عن مستقبل الممرات والطرق البحرية، وجميع تلك النظريات ربما ترسم معلما جديدا سيغير
طبيعة النظرية الجيوسياسية في العالم التي اعتمدت كثيرا على ما يطلق عليه القوة البحرية وتأثيراتها، والتي وضعتها بريطانيا العظمى في وقتها.
وفي الختام، يقول الشميري: نحن أمام تغير ليس سياسيا فقط في طبيعته الجغرافية، بل سيلقي بظلاله سياسيا وجغرافيا على النظرية العاملة، لتخلق نظريات سياسية وبيوتا سياسية جديدة تفسر معنى القوة، مشيرا إلى أن
منطقة الشرق الأوسط قد تفقد بعضا من أهميتها كلما زادت أو قلت أهمية هذه المضائق وزادت أهمية الشرايين الجديدة، وأيضا ستفقد كثيرا من صراعاتها، لأن هذه المضائق وهذه البحار، كما كانت مصدر القوة والأهمية والمنعة لهذه المنطقة، قلبت عليها الويل والثبور والأطماع والحروب.
من جانبه، يقول أوسان بن سدة، سياسي من جنوب اليمن: أعتقد أن ما يحدث في هرمز وباب المندب سيترك أثرا يتجاوز الحرب الحالية، وسيعيد خلال السنوات المقبلة تشكيل جزء من خريطة الطاقة والتجارة في المنطقة. نحن نتحدث عن مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو 21 مليون برميل من
النفط ومشتقاته يوميا، أي قرابة خُمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى أكثر من 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا. وعندما تعرض هرمز للضغط هذا العام، هبطت تدفقات النفط عبره إلى نحو 4.9 ملايين برميل يوميا في الربع الثاني من 2026.
وأضاف في حديثه لـ"
سبوتنيك": لهذا بدأت
الجغرافيا تفرض البدائل. السعودية تمتلك خط شرق-غرب الذي يصل إلى ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى 7 ملايين برميل يوميا، والإمارات لديها خط أبوظبي-الفجيرة بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يوميا، متجاوزا هرمز.
وتابع بن سدة: لكن المفارقة أن تحويل النفط السعودي غربا لتجاوز هرمز رفع تلقائيا أهمية البحر الأحمر وباب المندب؛ فقد ارتفعت تدفقات النفط عبر باب المندب من نحو 5.4 ملايين برميل يوميا قبل الحرب إلى 8.1 ملايين في الربع الثاني من هذا العام. أي أن الضغط على هرمز جعل باب المندب أكثر أهمية، ثم جاء الحوثي ليضغط على البديل نفسه.
وأشار السياسي الجنوبي إلى أن العالم يستطيع بالطبع الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، لكنه يدفع الثمن. والتجربة السابقة لأزمة البحر الأحمر أظهرت أن تغيير مسار السفن بين آسيا وأوروبا حول أفريقيا يمكن أن يضيف قرابة 12 يوما إلى الرحلة، ويرفع زمن العبور بنحو 30 في المئة. لذلك لا تحتاج إيران أو الحوثيون (أنصار الله) إلى إغلاق المضيق بالكامل؛ يكفي رفع
مستوى المخاطر حتى تبدأ شركات الملاحة والتأمين في التعامل معه باعتباره طريقا غير آمن.
وقال بن سدة: أعتقد أن الرؤية الإماراتية منذ 2015 كانت سابقة لوقتها. أبوظبي قرأت عدن وباب المندب والمخا والساحل الغربي كجغرافيا أمنية واحدة
مرتبطة بالتجارة والطاقة، ولذلك لم تعتمد على السفن والطائرات فقط، بل على بناء قوة محلية تمسك الأرض والساحل. فما نراه اليوم يؤكد أن أمن ناقلة النفط يبدأ من الشاطئ الذي تمر بمحاذاته، وليس من القطعة البحرية التي ترافقها فقط.
ويكمل: هذا يقود إلى السؤال الذي ظل المجتمع الدولي يتجنبه في اليمن: من سيحمي هذه الجغرافيا؟ الدولة اليمنية بصورتها التي عرفناها انهارت عمليا، وبعد أكثر من عقد من الحرب لا توجد سلطة مركزية قادرة على احتكار السلاح و
تأمين هذا الامتداد البحري. والاستمرار في الرهان على إعادة إنتاج الصيغة نفسها لن يوفر ضمانة لباب المندب ولا لخليج عدن.
في المقابل، يمتلك الجنوب العربي موقعا استثنائيا على باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، وموانئ يمكن أن تتضاعف قيمتها في أي إعادة تشكيل لطرق التجارة، وقوات راكمت خبرة في مكافحة الإرهاب وتأمين الأرض والساحل. لذلك أرى أن دعم قيام دولة جنوبية مستقرة وقادرة لم يعد ينبغي النظر إليه فقط باعتباره حلا لقضية سياسية عمرها عقود، بل كاستثمار استراتيجي في
أمن الطاقة والتجارة الدولية.
ولفت بن سدة إلى أن أكثر من 80 في المئة من حجم التجارة العالمية ينقل بحرا، وما يحدث اليوم يقول إن قيمة الدول والكيانات في النظام القادم لن تقاس فقط بما تنتجه، بل أيضا بقدرتها على حماية الطرق التي يمر عبرها إنتاج الآخرين.
وفي الختام، لا يعتقد بن سدة أننا أمام نهاية عصر هرمز وباب المندب، بل أمام نهاية الاعتقاد بأن أمنهما أمر مضمون. قد تتغير خطوط الأنابيب والموانئ ومسارات السفن، لكن الجغرافيا لا تتغير. ومن يملك دولة مستقرة على هذه الجغرافيا، وقوة قادرة على حمايتها، سيصبح جزءا من
معادلة الاقتصاد العالمي، لا مجرد طرف في أزمة محلية.
بدوره، يقول رئيس حراك النيل الأبيض في السودان، أحمد بحر: ترسم التوترات الجيوسياسية الحالية في الشرق الأوسط مسارات جديدة ومؤثرة لحركة الطاقة والتجارة العالمية. إن استمرار الصراع في
منطقة باب المندب وبحر العرب، إلى جانب المخاوف المستمرة من مواجهة مباشرة أو بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران، يجبر القوى الاقتصادية الكبرى والشركات العالمية على إعادة التفكير في سلاسل الإمداد التقليدية وتأمين طرق بديلة لحماية الاقتصاد العالمي من الصدمات.
وأضاف في حديثه لـ"
سبوتنيك": وقد بدت ملامح أبرز الطرق والمسارات البديلة الجديدة والمنتظرة في المرحلة القادمة. أولها المسارات البحرية البديلة والمطولة، مثل طريق رأس الرجاء الصالح، حيث تحولت الكثير من سفن الشحن والحاويات من البحر الأحمر وقناة السويس إلى الدوران حول أفريقيا. هذا المسار يضيف ما بين 10 و14 يوما إلى مدة الرحلة، ويزيد من تكاليف الشحن والوقود والتأمين، مما يدفع الشركات للبحث عن حلول برية أو سكك حديدية أكثر استدامة.
وتابع بحر: إن "روسيا والصين بدأتا في الترويج بشكل متزايد للممر القطبي عبر شمال روسيا كبديل أسرع يربط آسيا بأوروبا، مستفيدتين من ذوبان الجليد، بعيدا عن المضايق الساخنة في الشرق الأوسط".
وأشار إلى أن هناك أيضا الممرات البرية ومتعددة الوسائط (الربط البري والبحري)، مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، والذي تم الإعلان عنه
كخطوة استراتيجية لربط الهند بأوروبا عبر خطوط سكك حديدية وطرق بحرية تمر عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل. يهدف هذا الممر إلى تقليل زمن الشحن وتجنب نقاط الاختناق البحرية مثل باب المندب، وإن كانت التوترات الإقليمية تؤخر وتيرة تنفيذه.
كما أن هناك الجسر البري الخليجي البديل، حيث قامت بعض شركات اللوجستيات بتفعيل مسارات برية مؤقتة تنطلق من موانئ دبي (جبل علي) أو عمان عبر السعودية والأردن، وصولا إلى الموانئ المتوسطية في إسرائيل أو مصر، لتفادي منطقة الخطر في جنوب البحر الأحمر، إضافة إلى ممر التنمية العراقي (القناة الجافة)، وهو مشروع يسعى لربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بتركيا، ومنها إلى أوروبا عبر شبكة سكك حديدية وطرق سريعة، ليكون
شريانا استراتيجيا جديدا للتجارة بين آسيا وأوروبا.
وأكد السياسي السوداني أن هناك تحولات استراتيجية في أسواق الطاقة، حيث نجد اعتمادا متزايدا على الطاقة الأمريكية والأفريقية، لتجنب مخاطر إغلاق مضيق هرمز أو باب المندب، كما زادت أوروبا ودول آسيوية من اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال (LNG) والنفط من الولايات المتحدة وغرب أفريقيا، وهي مسارات بحرية آمنة نسبيا وتعتمد على المحيط الأطلسي.
وتابع بحر: علاوة على توسع خطوط الأنابيب البرية، تركز دول الخليج على تعزيز كفاءة خطوط الأنابيب التي تنقل النفط إلى خارج الخليج العربي دون الحاجة للمرور بمضيق هرمز، مثل خط أنابيب شرق-غرب السعودية إلى البحر الأحمر (رغم تأثره بأزمة باب المندب)، وخط أنابيب حبشان-الفجيرة الإماراتي المطل على بحر العرب.
وختم بالقول: إذا استمرت أزمات المنطقة لسنوات قادمة، فإن هذه المسارات البديلة لن تكون مجرد "خطط طوارئ مؤقتة"، بل ستتحول إلى بنية تحتية دائمة وتدفقات تجارية جديدة تعيد رسم خارطة العولمة الجيوسياسية والاقتصادية بشكل كامل.
تصاعدت المواجهة الأمريكية-الإيرانية خلال عام 2026، واتسعت تداعياتها من نطاق الصراع المباشر إلى الممرات البحرية وخطوط إمداد الطاقة والتجارة العالمية، في ظل المخاطر التي طالت
مضيق هرمز ومناطق الملاحة المرتبطة بالبحر الأحمر وخليج عدن. وأعاد ذلك إلى الواجهة أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية، بعدما دفعت المخاطر الأمنية شركات الشحن والطاقة إلى البحث عن مسارات بديلة وأكثر أمانا.
وتزامن التصعيد مع تحركات دولية وإقليمية لتعزيز البدائل، سواء عبر خطوط الأنابيب والموانئ أو الممرات البرية والسكك الحديدية، فيما برزت طرق بحرية أطول مثل رأس الرجاء الصالح كخيار لتجنب مناطق التوتر. ومع استمرار حالة عدم اليقين، تتزايد المخاوف من أن تتحول الإجراءات التي اتخذتها الدول والشركات للتعامل مع الأزمة إلى تغييرات دائمة في خريطة التجارة والطاقة، بما يعيد توزيع الأهمية الجيوسياسية للممرات والدول المطلة عليها.