وأسهمت هذه الروابط في تمهيد الطريق أمام علاقات لاحقة بين علماء جبل عامل والقوى التي قامت في إيران، وصولًا إلى التحول الذي شهدته البلاد مع اعتماد المذهب الشيعي الإمامي مذهبا رسميا للدولة الصفوية في القرن السادس عشر.
وقال شمس: "التشيّع الإمامي الجعفري انتشر بداية بين مليخ وجزين، في منطقة نائية تتخللها الوديان والجبال، شكّلت ملاذًا للاختباء هربًا من ملاحقة السلطات. وتحوّلت جزين مع الوقت إلى عاصمة دينية شيعية، بالتوازي مع مراكز علمية أخرى، أبرزها الحلة في العراق ودمشق".
وأضاف شمس: "العلوم الدينية الإثني عشرية الجعفرية تطورت، ولا سيما في النبطية الفوقا، وامتد انتشارها إلى مناطق أخرى مع مرور الوقت، إذ تزامن انتشار المذهب الشيعي الجعفري مع توسع الهجرات باتجاه بلاد الشام".
ولفت إلى أن "علاقة المماليك بالمذاهب التي لم تكن تحظى باعتراف رسمي لم تكن جيدة، وكانت علاقتهم بالشيعة عمومًا سيئة جدًا، فيما حرص رجال الدين على الحفاظ على صلاتهم بالسلطة من دون
الكشف عن انتماءاتهم المذهبية"، وأضاف: "الدولة الإيلخانية، التي أسسها المغول بقيادة هولاكو، شهدت وجود مذاهب وتيارات دينية متعددة، وإن تفاوت نفوذها ومواقعها داخل الدولة".
وتابع: "انتشر التصوف في وسط آسيا، وكانت إيران جزءا من هذا المجال الديني والثقافي. وفي القرن الثامن الهجري، برزت أوجه تشابه بين
بعض التيارات الصوفية والتشيع، ولا سيما في الممارسات الروحية، ومحبة الخالق، والزهد والابتعاد عن مباهج الحياة".
وأوضح الدكتور طارق شمس أن "الشيعة واجهوا ملاحقات في عدد من المدن العراقية، فيما شكّلت الحلة مركزًا علميًا مهمًا، قبل أن ينتقل العلم الشيعي إلى النجف"، كما تطرق إلى "الحركة السربدارية، التي ارتبطت بتيارات صوفية ذات توجهات سياسية واجتماعية، وشكلت إحدى الحركات التي واجهت الحكم المغولي في خراسان".
وأشار إلى "أهمية دور الشهيد الأول في ترسيخ المرجعية الفقهية الشيعية وتأسيس مدرسة علمية خرجت علماء كان لهم تأثير في المراحل اللاحقة"، وأكد أنه "صدر حكم إعدام العلامة ابن مكي في دمشق خلال الربع الأخير من القرن الرابع عشر، بعد أن أيد الحكم بفتوى من أحد علماء المذهب الشافعي".
وتابع: "الشهيد الأول واجه حكم الإعدام، لكنه
ترك أثرًا علميًا وفقهيًا امتد إلى أجيال لاحقة من العلماء، وأسهمت مدرسته في تعزيز الروابط العلمية بين جبل عامل والمراكز الدينية في إيران، وهي روابط اكتسبت أهمية أكبر في مراحل تاريخية لاحقة".