تتناول حلقة "خطوط التماس" الخلفيات السياسية والدينية والعسكرية التي أدت إلى انطلاق الحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر، مع الباحث المتخصص في التاريخ الوسيط، علي طباجة.
قال طباجة: "ليس هناك من سبب واحد لأي حدث عالمي، إنما عدة أسباب مجتمعة تؤدي إلى تغير كبير في التاريخ البشري، فالدوافع الدينية كانت موجودة وطفت على السطح، مثل تأمين طريق الحج وقوافل الحجاج القادمة من أوروبا، وتخليص بيت المقدس".

20 نوفمبر 2023, 17:52 GMT
الأطماع الأوروبية في السيطرة على القسطنطينية كانت أساس تقديم المساعدة في معركة ملاذكرد
وتابع طباجة: "طلب الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين المساعدة في معركة ملاذكرد عام 1071، لأنه شعر أن الأناضول تُقضم شيئا فشيئا من قبل السلاجقة، بالتوازي مع الأطماع الأوروبية في السيطرة على القسطنطينية، التي وجدت في هذه الدعوة مناسبة لتلبية طلب المساعدة، وفي الوقت نفسه محاولة السيطرة على الإمبراطورية البيزنطية".
الدوافع السياسية كانت كثيرة للمشاركة في الحملات الصليبية باتجاه الشرق
وأضاف: "كانت الدوافع السياسية للمشاركة في الحملات الصليبية كثيرة أيضا، ومنها نظام التوريث لدى القبائل الجرمانية في أوروبا، حيث كان الابن الأكبر يستحوذ على كل المملكة، ولم يكن للإخوة الأصغر نصيب في الحكم، فوجدوا في الحملات على الشرق فرصة للقدوم إلى المنطقة وتأسيس إماراتهم الخاصة".
وتابع: "كما كان هناك الصراع الذي امتد طويلا بين البابوية والملوك والأباطرة، ولا سيما بعد الإصلاحات الكلونية التي قامت بها البابوية وما نتج عنها من صراعات. وكان المجتمع الإقطاعي الأوروبي قائما على الفرسان الذين كانوا يلجأون إلى
القتال والسطو على أراضي غيرهم من الإقطاعيين، فلجأت البابوية إلى "هدنة الله" لوقف الاقتتال بينهم، ودعت إلى أن يكون الجزاء السماوي والغفران من نصيب من يشارك في الحروب الصليبية".

12 ديسمبر 2020, 10:25 GMT
الحملة الأولى العشوائية لم يعد منها سوى بضع مئات
ولفت طباجة إلى أن "الحملة الصليبية الأولى، أو الحملة الشعبية التي قادها بطرس الناسك عام 1096، عشوائية، وكانت في طريقها تقوم بأعمال النهب والسلب والقتل، فدفع الإمبراطور البيزنطي أفرادها إلى شرق البوسفور، أي باتجاه مناطق السلاجقة، الذين فتكوا بهم، ولم يعد منهم سوى بضع مئات إلى بلادهم".
وأضاف طباجة: "عندما وصلت الحملة إلى إنطاكيا، عُرض عليها من قبل ابن بدر الجمالي اتفاق يقضي بتسليمها إنطاكيا مقابل ألا تتقدم، وأن تترك له الساحل وبيت المقدس. ولم يكن الفاطميون يدركون أن هدف الحملة كان الوصول إلى بيت المقدس والسيطرة عليه".
وتابع: "لم يفكر الوزراء الفاطميون في توحيد الصف مع السلاجقة للتصدي لهذه الحملات، فضلا عن الصراعات بين الأمراء السلاجقة للسيطرة على الموصل وحلب ودمشق. وقد استطاع السلاجقة المقاومة لفترة في بر الأناضول، إلا أنهم عجزوا عن ذلك في
مناطق جنوب الأناضول وشمال بلاد الشام، وتركوا بيت المقدس لفترة وجيزة، فسيطر عليها الفاطميون، قبل أن يسيطر عليها الصليبيون".
سقوط الرها فاجأ الأوروبيين ودفعهم الى الاستعجال في تشكيل الحملة الصليبية الثانية
وحول سقوط الرها، قال طباجة: "شكل سقوط الرها مفاجأة كبيرة للصليبيين، وأيقنوا أن المسلمين بدأوا بالتحرك لاستعادة بلادهم، ما دفعهم إلى الاستعجال في تشكيل الحملة الصليبية الثانية للحفاظ على ما تبقى من الممالك الصليبية في المنطقة، والتي اندفع إليها معظم الملوك الأوروبيين في ذلك الوقت للمشاركة".
وتابع: "وأصيبت هذه الحملة
بنكسات عدة على الطريق، ولم تستطع إسقاط دمشق، وكان نصيبها الفشل. كما أن إطالة أمد الحصار والحنكة الإسلامية التي أظهرها المدافعون عن دمشق أنقذتا المدينة وأدتا إلى فشل الحملة الصليبية الثانية".