القانون الإطاري والحريق الإقليمي

ترك برس

القانون الإطاري والحريق الإقليمي

  • منذ 8 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
محمد يالتشين يلماز - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس
اعتُبر المسار الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2024، مع المبادرة التي أطلقها رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، قضية شائكة في الأوساط السياسية. وقد جرى الخلط بينه وبين مسارات التسوية التي جُربت في الماضي، لذلك اتخذت كل من الأوساط السياسية ووسائل الإعلام موقفًا متحفظًا منه.
إلا أن عمل البيروقراطية الأمنية على هذا الملف يعود إلى فترة أقدم بكثير. فمنذ سنوات طويلة، كانت البيروقراطية الأمنية في أنقرة أكثر الجهات طرحًا لفكرة ضرورة اعتماد أساليب مختلفة في مكافحة الإرهاب. وذلك لأن المواجهة على الأرض لا تقتصر على التنظيم وحده، بل تشمل أيضًا الظروف الإقليمية والدولية التي تبقيه قائمًا.
والآن، سيكتسب شعار "تركيا الخالية من الإرهاب" أرضية قانونية. فالقانون الإطاري سيُطرح على جدول أعمال البرلمان بتوقيع 360 نائبًا. وكنا قد أكدنا في هذه الزاوية، في 23 يوليو/تموز، أن كل شيء سيتقدم خطوة بخطوة. فكلما زادت نسبة تخلي التنظيم عن السلاح، واتسعت عملية تصفية كوادره، وأصبح المسار أكثر قابلية للرقابة، تحقق مزيد من التقدم.
ولطالما كان هناك من يقترح على تركيا تجارب مختلفة، مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA)، وإيتا (ETA)، وكولومبيا... غير أن لكل جغرافيا أسلوبها الخاص في إيجاد الحلول. وفي هذا المسار، لم تُشرك أنقرة أي طرف أو دولة مراقبة أخرى، بل أظهرت إرادة لحل مشكلاتها بإمكاناتها الذاتية.
وبالطبع، سيستمر من يقرأ المشهد القائم قراءة خاطئة أو ناقصة. وسيظهر من يتجاهل المخاطر التي تحيط بمنطقتنا، ويحصر القضية في ثنائية الديمقراطية أو تقديم التنازلات للإرهاب. لكن الواقع واضح. فخط الصراعات الذي تشكل في غزة وسوريا ولبنان والعراق بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي يُرجح أن يستمر خلال السنوات المقبلة، يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن أنقرة.
وفي ظل المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين، ازدادت مخاطر هذه المنطقة. فقد كشفت مشاريع مثل الممر الأوسط والممر الجنوبي المنطلقين من الصين، وممر الشمال-الجنوب المرتكز على مومباي وإيران وروسيا، وممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) الذي يستهدف الربط بين الهند والخليج وإسرائيل واليونان، عن جبهات الحروب الدائرة اليوم.
كما جعلت حروب الممرات، وخطوط الطاقة، وإنتاج الرقائق الإلكترونية، ونقل النفط والغاز، والممرات البحرية، والهيمنة على حركة الخدمات اللوجستية، ساحات التنافس في منطقتنا أكثر تعقيدًا.
ولهذا السبب، تنظر أنقرة إلى الساحة العراقية بالتوازي مع الساحتين السورية واللبنانية. ففي هذا المحور، لا تقل خطط إسرائيل الرامية إلى نشر الفوضى خطورة عن النفوذ الإيراني العابر للحدود، الذي يخلق بدوره مشكلات كبيرة. ورغم أن التوتر بين إيران ودول الخليج العربية يُقدَّم في كثير من الأحيان على أنه صراع شيعي-سني، فإن جوهر القضية يتمحور في الواقع حول صراع القوى العالمية.
أما أنقرة، فتسعى إلى تفعيل التعاون والاعتماد المتبادل، من دون الوقوع في فخ الطائفية الذي يُفرض على المنطقة.
ولهذا السبب، فإن مشاريع مثل ممر زنغزور، وخط البصرة-أوفاكوي، وطريق التنمية، وتطوير حقول نفط كركوك، ونقل الغاز القطري، ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي أجزاء من رؤية تركيا لترسيخ مكانتها بوصفها الدولة المحورية في منظومة الأمن والربط الإقليمي.
وفي هذا الإطار، تكتسب عملية تطهير الساحة العراقية من الإرهاب أهمية بالغة. كما يجري العمل على صيغ لدعم بغداد في مواجهة احتمال اندلاع حرب أهلية جديدة في العراق. أما استقرار دمشق وبيروت، فلا يمكن تحقيقه إلا بمساهمة طرف قوي ومطلع على واقع الميدان، مثل أنقرة.
ولهذا، فإن القانون الإطاري ليس مجرد قضية تتعلق بالسياسة الداخلية...
فإن عملية حلّ بنية PKK/KCK، والسيطرة على الميدان بعد قنديل، واستقرار الساحة العراقية، وإقامة منظومة أمنية جديدة في سوريا، وسياسة تركيا الخاصة بالممرات، جميعها تمثل أجزاء من المعادلة الكبرى نفسها.
ويبدو أن حسابات أنقرة واضحة؛ فكلما ضاقت مساحة نشاط الإرهاب، تعزز أمن الحدود التركية. وكلما استقرت الساحة العراقية، تراجعت احتمالات انتقال الحروب الإقليمية إلى تركيا. وكلما نجحت تركيا في تأمين خطوط الربط، عززت مكانتها ليس بوصفها دولة تدير الأزمات فحسب، بل بوصفها دولة محورية تسهم في تشكيل المنطقة.
ولهذا السبب، لا يمكن قراءة القانون المرتقب على أنه مجرد تنظيم قانوني.
فمع الخطوة الأولى للقانون الإطاري، سنكون أمام تحرك تركي يهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز الحزام الأمني في مواجهة الحريق الكبير المشتعل حولها.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>