حروب تتسع وتتداخل

ترك برس

حروب تتسع وتتداخل

  • منذ 1 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
تقترب الحرب الروسية-الأوكرانية من عامها الخامس. ورغم كل المحاولات، لم يتحقق السلام. وحتى الآن، لا يمكن الحديث عن نصر حاسم لأي من الطرفين. نعم، يسيطر الروس إلى حد كبير على الأجزاء الشرقية من الأراضي الأوكرانية. وإذا استمرت الحرب في مسارها الحالي، فمن الواضح أنها ستنتهي، عاجلًا أم آجلًا، بانتصار روسيا. كما أن نظام كييف يمر بحالة اختناق واضحة. فالدعم المالي والعسكري الذي تنتظره أوكرانيا من القوى الغربية التي دفعتها إلى مواجهة روسيا، لا يتدفق دائمًا بالمستوى الذي كانت تأمله. ولتجاوز هذا المأزق، لجأت كييف إلى تغيير في التكتيك، فبدأت تنقل الحرب من كونها حربًا دفاعية إلى العمق الروسي. وكانت أولى محاولاتها التوغل من الشمال إلى منطقة كورسك والسيطرة عليها لفترة من الزمن. وكان هدفها إضعاف القدرة الهجومية لروسيا. ويبدو أن موسكو لم تكن تتوقع ذلك. وقد بذلت جهودًا كبيرة لإنهاء هذا الاحتلال المؤقت، واستنزفت قدرًا معتبرًا من طاقتها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تمكنت أوكرانيا، بفضل ما طورته من قدرات في مجال الطائرات المسيّرة والطائرات المسيرة المسلحة، من استهداف أهداف في العمق الروسي. وكانت في البداية تستهدف عددًا كبيرًا من منشآت النفط، ويمكن القول إنها حققت نجاحًا ملحوظًا في ذلك. وبالفعل، شهدت روسيا أزمات حادة في البنزين انعكست حتى على المستهلكين. وفي الآونة الأخيرة، أخذت الهجمات أبعادًا جديدة، إذ بدأت الطائرات المسيّرة الأوكرانية باستهداف المستودعات اللوجستية ومراكز التسوق في روسيا. وهدفها من ذلك هو إثارة استياء المستهلكين الروس. أما الخطوة الثالثة، فتمثلت في مهاجمة السفن التجارية التي تتعامل مع روسيا في البحر الأسود، وكان المقصود من ذلك تقليص عائدات الصادرات الروسية. وردّت روسيا على هذه الهجمات بزيادة قوتها النارية، أي بشن هجمات أكثر تدميرًا. كما استهدفت السفن التجارية الأوكرانية وموانئها، وعلى رأسها ميناء أوديسا. ونتيجة لذلك، نشهد أحداثًا تجعل من البحر الأسود، الذي كان بحرًا للسلام، مكانًا يزداد جحيمًا يومًا بعد يوم. وأعتقد أنه لن يمر وقت طويل حتى يصبح البحر الأسود أحد أكثر بحار العالم انعدامًا للأمن.
أما زيلينسكي، الذي يتحرك في فلك الغرب، فهو ينفذ ما يُطلب منه. فمهمته هي إنهاك روسيا واستنزافها إلى أقصى حد، مهما كانت الكلفة التي ستتحملها أوكرانيا. وبهذه الطريقة، ستكسب أوروبا والمملكة المتحدة الوقت الذي تحتاجانه للاستعداد للمواجهة النهائية مع روسيا. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فقد تمثلت آخر "إنجازات" زيلينسكي في محاولة نقل الحرب إلى بحر قزوين. إذ تعرضت سفينة إيرانية، تعود إلى دولة تشترك مع روسيا في المصالح، لهجوم بطائرة أوكرانية مسيّرة. ويبدو أن هناك محاولة لنقل الفوضى، بعد البحر الأسود، إلى بحر قزوين أيضًا. وسأعود إلى هذه النقطة لاحقًا.
أما في الجنوب، فتوجد حالة اختناق أخرى. فالحروب الجنونية التي أطلقها التحالف الأمريكي-الإسرائيلي في الشرق الأوسط وصلت هي الأخرى إلى طريق مسدود. فعلى الرغم من احتلال إسرائيل لقطاع غزة واستمرارها في تنفيذ الإبادة الجماعية، لم تُحل القضية الفلسطينية بعد بالطريقة التي تريدها إسرائيل. وإذ لم تحقق ما تريده هناك، هاجمت إسرائيل، التي تتحرك وفق هذا المنطق، إيران إلى جانب الولايات المتحدة. لكنهما واجهتا هذه المرة مقاومة شديدة للغاية. وكانت النتيجة فشلًا ذريعًا، بل وخسرتا ما كان بأيديهما أيضًا. فقد أُغلق مضيق هرمز، وبدأت بذلك أزمة طاقة من شأنها أن تهز الاقتصاد العالمي. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ انتهى الهجوم الأخير الذي أطلقه ترامب، والذي كان بلا جدوى، بفضيحة كاملة. وبدأ مخزون الذخائر لدى الجيش الأمريكي يتآكل بصورة دراماتيكية، إلى درجة أن مصادر عسكرية أطلقت إشارات إنذار، واضطر ترامب إلى وقف الهجمات. وفي هذه المرحلة، وكأن إغلاق مضيق هرمز لم يكن كافيًا، فقد أُغلق أيضًا مضيق باب المندب بعد دخول الحوثيين على خط المواجهة. واليوم، يشهد الخليج حالة اختناق كاملة، حتى إن الأمور تكاد تصل إلى مرحلة التوقف. ومن الواضح أن حالة من الذعر تسود المنطقة. وما زاد هذا الذعر هو أن الحوثيين في اليمن، وبعد إغلاق مضيق هرمز، استهدفوا المنشآت وناقلات النفط في ينبع، التي تستخدمها السعودية لحسابها الخاص لنقل نفطها إلى البحر الأحمر. وتجري الآن محاولات لتشغيل مجموعة من الخطوط البديلة لتعويض المرور عبر هرمز وباب المندب. وفي هذا الإطار، يجري السعي، وكأنه محاولة للتشبث بقشة نجاة، إلى تفعيل خط البصرة-العقبة. كما عاد إلى الواجهة خط كركوك-بانياس بين العراق وسوريا، إلى جانب خط كركوك-يومورتاليك. نعم، قد توفر هذه الخطوط قدرًا من الارتياح، لكنني لست واثقًا من أنها ستكون قادرة على تعويض الخسائر بالكامل.
ويبدو أن هناك رغبة في استغلال الموارد الموجودة في البصرة وإقليم كردستان العراق بكامل طاقتها. أي إن العراق يتجه تدريجيًا إلى أن يصبح محور الأحداث. ونتحدث هنا عن العراق الذي احتُل تحت شعار "نحمل لكم الحرية"، لكنه منذ ذلك الحين لم يستطع الوقوف على قدميه، وجُمّدت عائداته النفطية من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، واضطر إلى الاكتفاء بما يتسرب إليه من تلك العائدات، في ظل مؤسسات لا تعمل، وفساد بلغ حد الغرق في الرشاوى، وعمليات نهب داخلية كاملة. ويواجه رئيس الوزراء العراقي الزيدي ضغوطًا مزدوجة. فمن جهة، تطالبه الولايات المتحدة بتصفية النفوذ الإيراني القوي داخل العراق، في حين أن التحالف الذي أوصله إلى السلطة يضم أطرافًا متأثرة بإيران. فكيف له أن يقطع الغصن الذي يقف عليه؟ ومن جهة أخرى، يُطلب منه تشغيل موارد بلاده عبر الخطوط المشار إليها أعلاه لسد الفراغ الذي أحدثه إغلاق المعبرين. لكن من يضمن أن إيران ستقبل بذلك؟ وإذا كانت قد استهدفت السعودية، التي سعت إلى إيجاد مخرج عبر الحوثيين، فمن الذي يستطيع أن يضمن أنها لن تستخدم الحشد الشعبي وغيره من القوى الموالية لها لاستهداف الخطوط البديلة والمنشآت؟
إن الحروب التي وصلت إلى حالة من الاختناق بدأت تخرج عن السيطرة. ويبدو أن هناك توجهًا لنقل الحرب الروسية-الأوكرانية أولًا إلى البحر الأسود، ثم إلى بحر قزوين. وهذا لا يعني سوى تداخل الحربين معًا. كما أن تحركات زيلينسكي المكثفة في الشرق الأوسط، واعتقال خلايا تعمل لصالح أوكرانيا في العراق، تشكل مؤشرات إنذار مبكر. ويعود السبب في ذلك إلى أن العملية البرية التي كان يُعتقد أن الولايات المتحدة ستشنها ضد إيران أصبحت، على الأقل في الوقت الراهن، شديدة التعقيد. ولتجاوز هذا المأزق، يبدو أن هناك محاولة لإطلاق مرحلة جديدة من الفوضى تقوم على خلط الحروب ببعضها البعض، وتحويلها إلى صراعات متعددة الجبهات وتوسيع نطاقها. وإذا كانت هذه التحليلات صحيحة، فإنها تعنينا نحن أيضًا بشكل مباشر، وهذا يعني أن أنقرة، والدولة التركية، والشعب التركي، مقبلون على أيام شديدة الصعوبة.
 

عن الكاتب

سليمان سيفي أوغون

كاتب في صحيفة يني شفق




عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>