تحليل: هل تدخل العلاقات التركية العراقية في "شراكة استراتيجية" جديدة؟

ترك برس

تحليل: هل تدخل العلاقات التركية العراقية في "شراكة استراتيجية" جديدة؟

  • منذ 10 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ترك برس
قالت الباحثة زينب غيزم أوزبينار إن الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى أنقرة في 28 يوليو/تموز تحمل مؤشرات على دخول العلاقات التركية العراقية مرحلة جديدة. فقد أفضت المحادثات التي عقدها مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى توقيع اتفاقيات ترسم إطارًا واسعًا للتعاون في مجالات الطاقة والأمن والنقل وإدارة المياه.
وأضافت في مقال على موقع «فوكس بلس» أن الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين تركيا والعراق في مجالات الطاقة والأمن والنقل وإدارة المياه. وفي وقت يعاد فيه تشكيل موازين الأمن في الشرق الأوسط، بينما تتصدر قضايا أمن إمدادات الطاقة والممرات التجارية مشهد المنافسة العالمية، تمتلك الشراكة الناشئة بين أنقرة وبغداد القدرة على إنتاج نتائج تتجاوز حدود العلاقات الثنائية.
وفيما يلي تتمة المقال: 
وتؤكد زيارة الحكومة العراقية الجديدة إلى أنقرة، بعد واشنطن وطهران، موقع تركيا على أجندة السياسة الخارجية لبغداد. كما أن تناول ملفات مكافحة الإرهاب ومشروع «طريق التنمية» والصناعات الدفاعية وإدارة المياه، إلى جانب مشروعات الطاقة، خلال المؤتمر الصحفي المشترك، يدل على أن الطرفين ينظران إلى علاقاتهما من خلال مجموعة من المجالات الاستراتيجية المتكاملة.
وشكّل حضور رئيس الجبهة التركمانية العراقية محمد سمان آغا ومحافظ كركوك ريبوار طه مصطفى ضمن الوفد تفصيلًا مهمًا، يكشف الأهمية التي توليها تركيا للمجتمع التركماني في سياستها تجاه العراق، ونظرتها إلى البنية متعددة القوميات في كركوك بوصفها جزءًا من المعادلة الاستراتيجية.
معادلة جديدة في مجال الطاقة
أصبح أمن الطاقة والوصول إلى حقول الإنتاج وتنويع مسارات التصدير خلال السنوات الأخيرة من أبرز محاور التنافس بين القوى الكبرى. وتأتي شراكة الطاقة الجديدة بين أنقرة وبغداد في مرحلة تشكلت ملامحها بفعل هذا التحول الجيوسياسي.
وكان أبرز التطورات انضمام مؤسسة البترول التركية «TPAO» إلى المشروع الذي تقوده شركة «بي بي» في حقول كركوك. وأعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار أن المؤسسة التركية ستحصل على حصة تقارب 15 في المئة من المشروع، مشيرًا إلى أن الحقول تمتلك احتياطات محتملة تقدر بنحو ثلاثة مليارات برميل.
وبذلك تتحول تركيا من مجرد دولة عبور للنفط العراقي إلى طرف مشارك بصورة مباشرة في عملية الإنتاج.
وكانت مذكرة التفاهم التي وقعتها مؤسسة البترول التركية وشركة «بي بي» في فبراير/شباط قد أظهرت إرادة الطرفين للعمل المشترك، فيما نقل الاتفاق المعلن في نهاية يوليو/تموز مرحلة التحضير إلى مستوى عملي وملموس. ويكشف هذا التسلسل الزمني أن مقاربة أنقرة لقطاع الطاقة العراقي تستند إلى تخطيط طويل الأمد.
ويتزامن هذا التقارب مع انتهاء العمل باتفاقية خط أنابيب النفط الخام بين تركيا والعراق. فقد خرجت الاتفاقية، التي شكّلت لنحو نصف قرن الأساس القانوني للتجارة النفطية بين البلدين، من حيز التنفيذ اعتبارًا من 27 يوليو/تموز.
وأوضح الرئيس أردوغان، عقب المباحثات التي جرت في أنقرة، أن العمل جارٍ لإعداد اتفاقية جديدة للطاقة تستجيب للاحتياجات الراهنة. ويهدف الطرفان إلى إنشاء إطار يتلاءم مع الظروف الإقليمية المتغيرة، بدلًا من الاكتفاء بتمديد الترتيبات القائمة.
كما يزيد بحث رفع الطاقة الاستيعابية لخط كركوك-يومورتاليك، وإمكانية نقل النفط المنتج في منطقة البصرة إلى الأسواق الدولية عبر تركيا، من القيمة الاستراتيجية للخط.
ومن شأن هذا السيناريو أن يحول تركيا من مسار يخدم حقول الإنتاج في شمال العراق فحسب إلى إحدى أبرز بوابات تصدير النفط من مختلف مناطق الطاقة العراقية نحو البحر المتوسط.
أما إعلان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إمكانية تزويد تركيا بمليون برميل من النفط يوميًا، فيعكس المستوى الذي وصلت إليه شراكة الطاقة. ولا يهدف العرض إلى زيادة حجم التجارة فقط، بل يعكس أيضًا رغبة في تأسيس اعتماد متبادل طويل الأمد.
وفي ظل المخاطر الأمنية المحيطة بمضيق هرمز والتطورات المؤثرة في حركة الشحن التجاري بالبحر الأحمر، قد يوفر تدفق النفط بصورة متواصلة عبر الخط البري ميزة مهمة لتركيا في مجال أمن الإمدادات.
وتضع مساعي بغداد لتنويع منافذ بيع نفطها تركيا في موقع الشريك المفضل لفتح إنتاج كركوك أمام الأسواق الدولية.
غير أن المسار السابق للخط يذكّر أيضًا بهشاشته القانونية والسياسية. فقد توقف في مارس/آذار 2023، عقب قرار محكمة التحكيم الدولية المتعلق بصادرات النفط التي كانت تنفذها حكومة إقليم كردستان العراق، ولم يتمكن من استئناف العمل إلا في أبريل/نيسان 2026، بعد توقف دام نحو ثلاثة أعوام.
وسيكون ضمان استقرار تشغيل الخط بصورة دائمة عاملًا حاسمًا في تحديد مدى موثوقية الشراكة.
وتحمل الاتصالات المتعلقة بالغاز الطبيعي بدورها أهمية استراتيجية. فالعجز المزمن في إمدادات الغاز المستخدم لإنتاج الكهرباء في العراق يطرح إمكانية تطوير نماذج توريد جديدة عبر تركيا.
ومن شأن تعاون كهذا أن ينقل علاقات الطاقة من تجارة نفط أحادية الاتجاه إلى أرضية أكثر شمولًا للشراكة.
كما تمثل المشاركة في حقول كركوك مرحلة جديدة في الجانب الإنتاجي من سياسة تنويع مصادر الطاقة التركية، التي تشمل غاز البحر الأسود والبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال ومشروعات أذربيجان وتركمانستان.
لكن استدامة هذا المسار ستظل مرتبطة بالتقدم الذي يمكن تحقيقه في ملفات تقاسم الإيرادات بين بغداد وأربيل، والوضع القانوني لحقول الإنتاج، واستكمال اتفاقية الطاقة الجديدة خلال فترة قصيرة.
تعاون مؤسسي في الأمن والنقل
تشكل الخطوات المتخذة في قطاع الطاقة الأساس الاقتصادي للشراكة الناشئة بين تركيا والعراق. غير أن نجاحها على المدى الطويل يعتمد على تطوير تعاون مؤسسي في مجالات الأمن والنقل والربط الإقليمي.
فاستدامة استثمارات الطاقة وأمن الممرات التجارية والاستقرار السياسي عناصر يكمل بعضها بعضًا. ولهذا لم يكن منح ملفات مكافحة الإرهاب ومشروع طريق التنمية والتعاون في الصناعات الدفاعية مساحة مماثلة لملف الطاقة خلال المباحثات أمرًا عارضًا، بل جاء نتيجة خيار مدروس.
ومن أبرز أولويات السياسة التركية تجاه العراق إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقية، وإزالة العناصر التي تهدد أمن الحدود.
وقد أسفرت الاتصالات الدبلوماسية المكثفة خلال العامين الماضيين عن إنشاء أرضية مؤسسية مهمة، تمثلت في إعلان الإدارة العراقية حزب العمال الكردستاني «تنظيمًا محظورًا»، وتأسيس مركز التنسيق الأمني المشترك، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية.
كما دعمت المباحثات التي أجراها رئيس جهاز الاستخبارات الوطني التركي إبراهيم قالن في بغداد التنسيق الميداني ضمن هذه العملية.
ويتجلى أهم انعكاس للتطورات الأمنية في مشروع «طريق التنمية». ويهدف المشروع، الذي تقدر استثماراته بنحو 17 مليار دولار، إلى ربط الخليج العربي بالأسواق الأوروبية عبر تركيا، ويعد أحد أكثر مشروعات إعادة إعمار العراق طموحًا.
وستتكون الشبكة من خطوط للسكك الحديدية وطرق برية ومراكز لوجستية، ما يجعل المشروع بالنسبة إلى تركيا استثمارًا يحقق مكاسب اقتصادية، ويعزز في الوقت ذاته موقعها الجيوسياسي.
وازدادت القيمة الاستراتيجية لطريق التنمية وضوحًا مع التحولات التي طرأت على موازين التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة.
فقد أدت المخاطر الأمنية في البحر الأحمر وارتفاع تكاليف النقل عبر قناة السويس إلى زيادة الاهتمام بالممرات التجارية البديلة.
ومن شأن المسار الممتد من البصرة إلى أوروبا عبر تركيا أن يوفر خيارًا موثوقًا لسلاسل الإمداد العالمية، وأن يعزز موقع تركيا مركزًا لوجستيًا بين أوروبا ودول الخليج.
وتتضح أهمية المشروع بصورة أكبر عند تقييمه إلى جانب الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا «IMEC».
ولا تنظر تركيا إلى هذه المشروعات من زاوية المنافسة، بل تسعى إلى وضع «الممر الأوسط» و«طريق التنمية» بوصفهما مسارين متكاملين.
ومن شأن تمديد الممر الأوسط، الذي يبدأ من الصين ويصل إلى تركيا عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين، نحو الخليج العربي، أن يعزز هدف أنقرة المتمثل في التحول إلى أحد أبرز المراكز اللوجستية التي توفر اتصالًا متواصلًا بين آسيا وأوروبا والخليج.
وأعلن وزير التجارة التركي عمر بولات أن البلدين يستهدفان رفع حجم التجارة بينهما إلى 30 مليار دولار بعد اكتمال مشروع طريق التنمية.
ويتطلب تحقيق هذا الهدف تحديث البنية التحتية اللوجستية في المعابر الحدودية وتسريع الإجراءات الجمركية. كما سيكون تقدم التنسيق الأمني بالتوازي مع الأهداف الاقتصادية عاملًا حاسمًا في ضمان استمرارية الشراكة.
غير أن نجاح هذه الرؤية يعتمد على توفير ظروف أمنية مستدامة. فجزء كبير من مسار طريق التنمية يمر عبر مناطق سبق أن شهدت نشاطًا لتنظيمات مسلحة.
وفي حال عدم ضمان الأمن بصورة دائمة، لن يكون من السهل جذب المستثمرين الدوليين وشركات الخدمات اللوجستية إلى المشروع.
دبلوماسية المياه والربط الإقليمي
يتمثل بعد آخر من أبعاد الشراكة التركية العراقية في تناول قضية المياه، التي بقيت سنوات طويلة في ظل النقاشات الأمنية، للمرة الأولى من منظور التنمية المشتركة.
وفي ظل تفاقم آثار تغير المناخ وارتفاع مخاطر الجفاف وتزايد الضغوط على الموارد المائية، يمنح هذا النهج العلاقات بين البلدين بعدًا استراتيجيًا جديدًا.
وفي إطار الآلية التي أقرها البرلمان العراقي، والمقرر دخولها حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، يستهدف الطرفان تطوير مشروعات مشتركة في حوضي نهري دجلة والفرات، وتحديث البنية التحتية للري، وتعزيز القدرات التقنية في إدارة المياه.
ويقدم تخصيص جزء من إيرادات مبيعات النفط العراقية إلى تركيا لتمويل هذه المشروعات نموذجًا مبتكرًا يجمع بين عوائد الموارد الطبيعية وأهداف التنمية المستدامة.
ولا يمكن النظر إلى التعاون في مجال المياه بمعزل عن ملفي الطاقة والأمن.
فالدور الذي قد تؤديه قطاعات الهندسة والمقاولات التركية في مشروعات البنية التحتية من شأنه تعميق العلاقات الاقتصادية، في حين ستؤسس المشروعات المشتركة المطورة في إطار الأمن المناخي أرضية تعزز الاعتماد المتبادل بين البلدين.
وهكذا تتحول الطاقة والنقل والأمن وإدارة المياه إلى ركائز استراتيجية متكاملة.
ويتوافق هذا النهج الشامل مع رؤية الربط الإقليمي التي تبنتها تركيا خلال السنوات الأخيرة. فمثلما تدعم خطوط الطاقة وممرات النقل واستثمارات البنية التحتية الاندماج الإقليمي، تشكل الآليات المشتركة في مجال إدارة المياه جزءًا مكملًا لهذه المنظومة.
وقد نقلت الاتفاقيات الموقعة في أنقرة العلاقات التركية العراقية إلى مرحلة من الشراكة متعددة الأبعاد.
وستكون عملية استكمال اتفاقية الطاقة الشاملة، وحسم مستقبل خط كركوك-يومورتاليك، وتأمين تمويل مشروعات النقل، والارتقاء بالتنسيق الأمني إلى مستوى أكثر تقدمًا، من أبرز المحطات التي ستحدد مدى استدامة هذا المسار خلال المرحلة المقبلة.
ويعد الجمع بين أمن الطاقة وممرات النقل والتعاون الدفاعي والتكامل الاقتصادي ضمن إطار استراتيجي واحد أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على رؤية تركيا للربط الإقليمي.
وفي ظل إعادة تشكيل موازين الطاقة والتجارة العالمية، يمكن لمحور أنقرة-بغداد أن يصبح واحدًا من أبرز المحاور المنتجة للاستقرار والتكامل الاقتصادي في الشرق الأوسط، شريطة دعم هذه الشراكة بآليات مؤسسية دائمة.
وسيتمثل الاختبار الأكبر أمام العملية في تحويل الاتفاقيات الموقعة من خطاب سياسي إلى جداول زمنية واضحة للتنفيذ.
كما ستحدد التوازنات السياسية الداخلية في بغداد، والمفاوضات المستمرة مع أربيل، والتقلبات التي تشهدها البيئة الأمنية الإقليمية، سرعة تقدم الشراكة.
ومع ذلك، فإن النهج المتسق والمتعدد القنوات الذي اتبعته أنقرة خلال العامين الماضيين يعزز احتمال انتقال العلاقات التركية العراقية إلى أرضية مؤسسية، بعيدًا عن التطورات المرحلية والظروف السياسية المؤقتة.


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>