اليمن يشهد تعبئة قبلية جديدة: ضد من وإلى أين؟

ترك برس

اليمن يشهد تعبئة قبلية جديدة: ضد من وإلى أين؟

  • منذ 1 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ياسين أقطاي - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
يشهد اليمن في الأيام الأخيرة تطورات لافتة. فالمعلومات التي نقلها يمنيون مقيمون في تركيا، نلتقي بهم بين الحين والآخر في إسطنبول، خلال آخر لقاء جمعنا، تشير إلى وجود حراك يستوجب المتابعة عن كثب، إذ يبدو أن البلاد تعيش حالة من التحرك الذي يسبق العاصفة.
وللتذكير، فإن الوضع الذي أوجدته جماعة الحوثي، بعد تقدمها من منطقة صعدة شمالي البلاد وسيطرتها على العاصمة صنعاء عام 2014، بدعم سياسي وعسكري من إيران، أدى في مارس/آذار 2015 إلى إطلاق عملية "عاصفة الحزم" بقيادة المملكة العربية السعودية، وبمشاركة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت ومصر والسودان وعدد من الدول الأخرى. وكان الهدف المعلن للتحالف إعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى السلطة، ووقف تقدم الحوثيين المدعومين من إيران.
وفي السنوات الأولى، نجح التحالف، ولا سيما بفضل تفوقه الجوي، في وقف تقدم الحوثيين. واستعادت القوات الحكومية مدينة عدن، كما بقيت مأرب وحضرموت وأجزاء واسعة من المحافظات الجنوبية خارج سيطرة الحوثيين. غير أن الحرب سرعان ما دخلت في حالة من الجمود، إذ تمكن الحوثيون من الحفاظ إلى حد كبير على مؤسسات الدولة والنظام الضريبي والبنية العسكرية في الشمال، في حين انقسمت القوى المدعومة من التحالف على نفسها.
وعلى وجه الخصوص، غيّرت الإمارات، مع مرور الوقت، مسار الصراع باتباعها استراتيجية مختلفة عن السعودية. فقد بدأت أبوظبي بدعم القوى الانفصالية الجنوبية، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، بدلاً من الحكومة المعترف بها دولياً. ونتيجة لذلك، اندلعت بين الحين والآخر مواجهات مسلحة بين القوات الحكومية والمجلس الانتقالي، الأمر الذي أضعف إلى حد كبير الجبهة المشتركة التي كان يُراد تشكيلها في مواجهة الحوثيين.
ومع مرور الوقت، تحولت سياسات الإمارات، سواء داخل اليمن أو في السودان والصومال وأرض الصومال والبحر الأحمر، إلى سياسات تخدم إسرائيل وتشكل تهديداً لأمن المملكة العربية السعودية. وعلى إثر ذلك، أعلنت السعودية خلال الأشهر الماضية إخراج الإمارات من التحالف في اليمن. وقد أدى هذا التطور، في الواقع، إلى خلق أجواء إيجابية للغاية داخل اليمن لصالح الشعب اليمني خلال فترة قصيرة. فليس من المنطقي أن يتمكن الحوثيون، وهم أقلية صغيرة، من اكتساب هذا القدر من القوة ضد الشعب اليمني وضد السعودية. وقد كشف خروج الإمارات من المعادلة أحد أسباب ذلك، وإن لم يكن السبب الوحيد بلا شك.
أما الأحداث اللافتة التي أقصدها فهي مخيم الكرامة الذي أُقيم خلال الأيام الماضية في السهول الواسعة لصحراء الريان بمحافظة الجوف. ففي نقطة تتقاطع فيها طرق القبائل القادمة من مختلف أنحاء اليمن، تحولت مساحة صحراوية عادية خلال وقت قصير إلى ساحة تجمع ضخمة ضمت عشرات الآلاف من الأشخاص، ومئات الخيام، والوفود القبلية التي توالت تباعاً. وأصبح هذا المكان يُعرف باسم "مخيم الكرامة" (مطارح الكرامة)، وبرز باعتباره أحد أبرز التجمعات القبلية في اليمن خلال السنوات الأخيرة.
ولم يكن الدافع وراء هذا التجمع، في بدايته، لا حراكاً سياسياً ولا تعبئة عسكرية، بل كان نداءً يستند إلى الأعراف والتقاليد القبلية اليمنية الراسخة. ووفق هذا الفهم، فإن حماية المستجير، وصون الأمانة، ورعاية الضيف، والدفاع عن شرف القبيلة، تُعد من الواجبات الأخلاقية والاجتماعية التي لا غنى عنها.
وتتمحور القضية حول امرأة تُعرف في الأوساط العامة باسم "ميرا صدام حسين"، ويُقال إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. فقد لجأت هذه المرأة إلى أحد وجهاء القبائل اليمنية، الشيخ حامد بن راشد فدغم، طالبة الحماية وفقاً للأعراف القبلية، إلا أن الحوثيين اقتحموا المنزل الذي كانت تحتمي فيه واختطفوها بالقوة.
ورداً على ذلك، برزت هذه الحركة ذات الجذور التقليدية المعروفة باسم "النكف". ويُعد النكف، في القانون القبلي اليمني، أعلى درجات التعبئة القبلية. فعندما ترى قبيلة أو شيخ قبيلة أنه تعرض لظلم جسيم، فإنه يوجه نداء استغاثة إلى جميع القبائل. وهذا النداء لا يُعد دعوة عسكرية فحسب، بل هو أيضاً دعوة إلى الشرف والتضامن وتحمل المسؤولية المشتركة.
ومن بين الرموز التقليدية لهذا النداء كسر غمد الخنجر أو إلقاء الشال الذي يوضع على الكتف على الأرض. وتحمل هذه الإشارات معنى: "لقد تعرضنا لظلم كبير، ونحن بحاجة إلى دعم القبائل."
ولهذا السبب، فإن السؤال الأساسي بالنسبة إلى كثير من القبائل ليس من تكون هذه المرأة، بل هو: "هل انتُهك حق اللجوء؟ وهل تم الاعتداء على شخص دخل في حماية أحد شيوخ القبائل؟" فإذا كانت الإجابة نعم، فإن القضية لا تعود تخص فرداً بعينه، بل تصبح قضية مشتركة لجميع القبائل.
وقد اختيرت منطقة الريان لاستضافة هذا التجمع الكبير لأنها تضم مساحات صحراوية واسعة، وتصلح لاستقبال القبائل القادمة من مختلف المحافظات، كما يسهل الوصول منها إلى الجوف ومأرب وسائر المناطق الشرقية.
وخلال فترة وجيزة، نُصبت مئات الخيام، وامتلأت المنطقة بالوفود القبلية القادمة من مختلف أنحاء اليمن.
القبائل المشاركة
انطلقت الدعوة أولاً من قبائل دهم، وعلى يد الشيخ حامد بن فدغم. وبعد ذلك بدأت وفود القبائل تتوافد إلى الريان من محافظات الجوف ومأرب وصنعاء وشبوة وحضرموت والبيضاء وذمار وتعز، إلى جانب مناطق أخرى عديدة في اليمن. ومن بين القبائل المشاركة قبائل أرحب وعبيدة وحاشد، إلى جانب عدد كبير من القبائل اليمنية المعروفة.
وكان من بين المشاهد التي لاقت صدى واسعاً في الرأي العام مراسم استقبال وفد قبيلة أرحب.
فقد استقبل الشيخ حامد بن فدغم، بكل احترام، الشيخ عبد المجيد عبد الله الزنداني، حفيد الشيخ عبد المجيد الزنداني، الذي ترأس الوفد. وأظهرت المشاهد الشيخ فدغم وهو يصافحه ثم يقبل رأسه تكريماً له. واعتُبر هذا الاستقبال أحد رموز الدعم المبكر والقوي الذي قدمه وفد أرحب للدعوة.
وبحسب منظمي التجمع، فإن القضية لم تعد خلافاً شخصياً، بل تحولت إلى قضية تتعلق بالدفاع عن شرف القبيلة، وحق اللجوء، وحماية القيم والأعراف التقليدية. ولهذا السبب أُطلق على التجمع اسم "مطارح الكرامة" (مخيم الكرامة).
الأهمية التاريخية والسوسيولوجية: معركة ذي قار
ورغم وجود آراء مختلفة حول هذه الحركة، فإن مخيم الكرامة في الريان كشف حقيقة مهمة، وهي أن النظام القبلي في اليمن ما زال يحتفظ بتأثير اجتماعي قوي، رغم كل التطورات السياسية الحديثة.
فالأعراف القبلية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقيم الشرف والحماية ورعاية الضيف والتضامن، لا تزال حتى اليوم قادرة على جمع آلاف الأشخاص حول هدف مشترك.
ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى مخيم الكرامة في الريان بوصفه مجرد حدث راهن، بل يُعد أيضاً نموذجاً تاريخياً وسوسيولوجياً مهماً يعكس حيوية الثقافة القبلية اليمنية وتأثيرها الاجتماعي المستمر.
ويقارن كثير من اليمنيين هذا الحدث، الذي أصبح واقعاً قائماً، بـ معركة ذي قار (يوم ذي قار) التي وقعت في العصر السابق للإسلام بين القبائل العربية والإمبراطورية الساسانية، وسجلها التاريخ بوصفها أول انتصار كبير للعرب. ويشير المؤرخون إلى أن هذه المعركة عززت ثقة العرب بأنفسهم، ومهدت نفسياً وفكرياً للفتوحات الإسلامية التي جاءت لاحقاً. ويستند هذا التشبيه أساساً إلى أن السبب المشترك بين الحدثين يتمثل في أن محاولة كسرى فارس الاستيلاء بالقوة على امرأة كانت في جوار إحدى القبائل العربية، دفعت القبائل العربية كافة إلى الاتحاد في مواجهته.
إن الغالبية العظمى من اليمنيين الذين التقينا بهم وتحدثنا معهم حول هذه التطورات يعيشون في إسطنبول منذ ما يقارب ثلاثة عشر عاماً، وكثير منهم حصل على الجنسية التركية عبر الاستثمار. وهم أشخاص يساهمون في الاقتصاد التركي، لكن لديهم أيضاً بعض المشكلات التي رووا لنا تفاصيلها، وسنتناولها في وقت لاحق.
 

عن الكاتب

ياسين أقطاي

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم




عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>