ترك برس
كتب الكاتب طه أمين لموقع «فوكس بلس» عن مكانة الآثار العثمانية التي ما تزال صامدة في مدن عراقية مختلفة ضمن الذاكرة التاريخية المشتركة، وما يحمله هذا الإرث من دلالات بالنسبة إلى العلاقات التركية العراقية.
تواصل الآثار العثمانية المنتشرة في مختلف المدن العراقية وجودها بوصفها شواهد معمارية تسلط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ البلاد. فقد تركت الدولة العثمانية خلال تلك الحقبة بصماتها في بلاد الرافدين في مجالات عديدة، بدءاً من الإدارة والعمارة، وصولاً إلى التجارة والحياة الدينية.
وتتنوع هذه المنشآت بين الثكنات والمساجد والأسواق والخانات والمنازل التاريخية. ولا يزال كثير منها قائماً حتى اليوم، رغم الحروب والإهمال والعوامل الطبيعية.
ومن ناحية أخرى، تشكل هذه الأماكن جزءاً من الذاكرة المشتركة بين العراق وتركيا، كما تحمل آثار التفاعل الثقافي والمعماري الذي ربط العراق على مدى قرون بمركز الدولة العثمانية.
بغداد العثمانية
تحتضن العاصمة بغداد بعضاً من أهم الآثار العثمانية في العراق، وفي مقدمتها مبنى القشلة الواقع على ضفاف نهر دجلة في منطقة السراي التاريخية.
شُيّد المبنى عام 1861، خلال ولاية نامق باشا، ليكون مركزاً عسكرياً وإدارياً للسلطات العثمانية. وفي السنوات اللاحقة، أصبح واحداً من أشهر المباني التاريخية في العاصمة.
كما يبرز برج الساعة المتصل بالقشلة بوصفه أحد الرموز المعمارية لبغداد القديمة. ولا يزال هذا المبنى التاريخي حتى اليوم نقطة جذب مهمة للزوار وللفعاليات الثقافية التي تُقام في المدينة.
ويقول أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور جمال هاشم زويب إن القشلة تُعد من أبرز المباني العثمانية في العراق. وبحسب زويب، كان المبنى مرتبطاً بصورة مباشرة بالوظيفة الإدارية العسكرية للدولة العثمانية، وكان مع مبنى السراي المجاور له مركزاً مهماً لإدارة شؤون الولاية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني.
وأوضح زويب، في تقييمه لموقع «فوكس بلس»، أن أهمية هذه المباني لا تنبع من قيمتها المعمارية فحسب، بل إنها تمثل أيضاً وثائق تاريخية تساعد على تتبع تطور الإدارة والتخطيط الحضري خلال الحقبة العثمانية في العراق، التي استمرت أكثر من أربعة قرون.
ولم تقتصر الثكنات العثمانية على بغداد وحدها، إذ برزت قشلة الموصل بوصفها أحد المباني المهمة المرتبطة بإدارة الولاية العثمانية. كما كانت قشلة كركوك من أبرز المعالم التاريخية في المدينة. أما القشلة الموجودة في قضاء كوي سنجق التابع لمحافظة أربيل، فلا تزال حاضرة في النسيج المعماري للمدينة، بوصفها نموذجاً للمباني الحكومية والعسكرية التي انتشرت في الولايات العثمانية خلال القرن التاسع عشر.
ويلفت جامع المرادية الانتباه باعتباره واحداً من أقدم المساجد العثمانية في بغداد. ووفقاً للدراسات التاريخية، بُني الجامع عام 1570، في عهد السلطان سليم الثاني، على يد والي بغداد مراد باشا. ويُظهر الجامع من خلال قبته الرئيسية ومئذنته وزخارفه كيف انعكس التأثير العثماني على العمارة الدينية في العراق.
ومن المباني الدينية البارزة أيضاً جامع ومدرسة الأحمدية. فقد شُيّد هذا المجمع عام 1796 على يد أحمد باشا الكتخدا، وكيل سليمان باشا الكبير. ولم يُستخدم بوصفه مكاناً للعبادة فحسب، بل أصبح مع المدرسة الأحمدية مركزاً علمياً خرّج عدداً كبيراً من العلماء وطلبة العلوم الدينية في بغداد.
وتوجد في بغداد مبانٍ عثمانية مهمة أخرى، من بينها جامع الحيدرخانة، الذي يُعد واحداً من أشهر المساجد التاريخية في العاصمة، كما ارتبط بمحطات سياسية وثقافية مهمة في تاريخ العراق الحديث. ويبرز أيضاً جامع العدلية بطرازه المعماري وزخارفه الإسلامية.
وشهدت بغداد، خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، ظهور عدد من المؤسسات التعليمية والإدارية المرتبطة بمشروعات التحديث. وكان من أبرزها المدارس الرشدية العسكرية والمدنية، إلى جانب مباني السراي الحكومي التي أدت دوراً مهماً في إدارة شؤون الولاية.
وقد تعرض كثير من هذه المباني بمرور الزمن للتغيير أو الاندثار. ومع ذلك، فإنها لا تزال تمثل جزءاً مهماً من الإرث المعماري والتعليمي الذي تركته الدولة العثمانية في العراق.
طرق التجارة
امتد الوجود العثماني أيضاً إلى المنشآت الاقتصادية والتجارية التي ربطت المدن العراقية بمحيطها الإقليمي. ويظهر ذلك في الجسور والخانات والأسواق التاريخية التي لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم.
ويُعرف جسر داقوق في كركوك بوصفه واحداً من أهم المباني العثمانية التي وصلت إلى يومنا هذا. وقد دخل الجسر الخدمة عام 1883، بأمر من والي بغداد مدحت باشا، وأسهم في تسهيل حركة القوافل والتجارة بين مختلف مناطق العراق.
كما يبرز جسر ألتون كوبري بين كركوك وأربيل بوصفه أحد المنشآت التاريخية المرتبطة بشبكة الطرق التجارية خلال العهد العثماني. وقد سهّل الجسر حركة القوافل والمسافرين بين شمال العراق ومناطق البلاد الوسطى.
ولا يزال سوق القيصرية في كركوك يحتفظ بمكانته باعتباره واحداً من أهم الأسواق التاريخية في العراق. ومن خلال تصميمه المغلق ونظامه التجاري التقليدي، يقدم صورة مهمة عن الكيفية التي تشكلت بها الحياة الاقتصادية في المدينة خلال العهد العثماني.
ويُعد خان الشيلان في النجف أحد المباني التي شهدت على الدور التجاري والديني للمدينة في أواخر القرن التاسع عشر. وقد استُخدم الخان لاستقبال الزوار والتجار والقوافل، قبل أن يصبح لاحقاً واحداً من أهم المعالم التاريخية في المدينة.
ويشير زويب إلى أن الخانات كانت من العناصر الأساسية في البنية الاقتصادية للمدن العراقية خلال العهد العثماني. وبحسب رأيه، كانت هذه الأماكن توفر للتجار الإقامة ومساحات لتخزين البضائع واستراحة للقوافل، ولذلك أدت دوراً مهماً في حركة التجارة بين الولايات العثمانية.
ويلفت أستاذ التاريخ إلى أن بغداد وحدها كانت تضم عشرات الخانات التي أدت أدواراً اقتصادية واجتماعية مهمة. إلا أن جزءاً كبيراً منها اختفى خلال السنوات الأخيرة بسبب التوسع العمراني وضعف أعمال الصيانة والقصور في حماية المباني التاريخية.
الإرث المعماري
لم يقتصر تأثير العهد العثماني على المباني والمنشآت المعمارية، بل امتد أيضاً إلى المجالات القانونية والثقافية والاجتماعية، تاركاً آثاراً دائمة في المجتمع العراقي.
وفي الموصل، يبرز جامع الباشا بوصفه أحد المساجد التاريخية المرتبطة بالعهد العثماني. ويُعد الجامع من المباني التي تعكس تطور الحركة المعمارية والدينية في المدينة خلال تلك الفترة.
بيوت الشناشيل
أما في بغداد والبصرة، فتُعد الشناشيل من أبرز العناصر المعمارية التي تعود إلى أواخر العهد العثماني. وتتميز هذه المنازل بشرفاتها الخشبية البارزة إلى الخارج والمزينة بالنقوش. وقد كانت توفر التهوية والظل، وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصية سكان المنازل. وبفضل هذه السمات، أصبحت جزءاً مهماً من الهوية البصرية للمدن العراقية القديمة.
ويرى الدكتور جمال زويب أن العمارة العثمانية في العراق لم تكن نسخة مطابقة للمباني الموجودة في إسطنبول أو في الولايات الأخرى، بل تأثرت بالبيئة المحلية وبالإرث الحضاري الأقدم للعراق. وتظهر في هذه المنشآت بشكل خاص تأثيرات معمارية تمتد إلى العصور الإسلامية المبكرة والعصر العباسي.
ويشير زويب إلى أن هذا التداخل الثقافي يظهر بوضوح في بعض المباني الدينية والإدارية، التي جمعت بين خصائص العمارة العثمانية والطابع المحلي. وبذلك اكتسبت كثير من الآثار التاريخية في العراق هوية خاصة تميزها عن نظيراتها في مناطق أخرى من الجغرافيا العثمانية السابقة.
كما يؤكد زويب أن الإرث العثماني في العراق لا يقتصر على المباني والآثار المعمارية، بل يشمل أيضاً عناصر قانونية وثقافية واجتماعية استمر تأثيرها لسنوات طويلة. وتُعد الإدارة والتعليم وبعض التقاليد والمؤسسات التي تشكلت خلال العهد العثماني من أبرز المجالات التي يظهر فيها هذا التأثير.
جهود الحماية
مع تعرض المباني التاريخية لخطر متزايد بسبب التقادم والعوامل البيئية وضغوط التوسع العمراني، نُفذت خلال السنوات الأخيرة في العراق مشروعات لترميم عدد من المواقع التاريخية.
وتشارك في هذه الأعمال مؤسسات عراقية ودولية. كما تشمل المشروعات التي تنفذها الوكالة التركية للتعاون والتنسيق «تيكا» عدداً من المواقع الدينية والتاريخية المرتبطة بالعهد العثماني. وتُعد هذه الجهود جزءاً من مساعي الحفاظ على الإرث التاريخي المشترك بين العراق وتركيا.
ويربط زويب اندثار جزء من الآثار العثمانية في العراق بعدة أسباب، من بينها التوسع العمراني ونقص الصيانة وقلة الموارد المالية المخصصة لحماية المواقع التاريخية، فضلاً عن الأضرار الهيكلية التي لحقت ببعض المباني نتيجة العوامل الطبيعية.
ويرى زويب أن حماية هذه الآثار لا تكتسب أهميتها من قيمتها التاريخية فقط، بل تعني أيضاً الاستثمار في قطاع السياحة والحفاظ على جزء مهم من الذاكرة الحضارية للعراق. كما يمكن لهذه العملية أن تعزز التعاون الثقافي بين العراق وتركيا، من خلال حماية الإرث التاريخي المشترك بين البلدين.
وعلى الرغم من أن وظائف هذه المباني اليوم تختلف عن المهام التي كانت تؤديها في الماضي، فإنها لا تزال تضطلع بدور مهم في الحفاظ على الذاكرة التاريخية للمدن العراقية. فهي تشهد على مرحلة تركت بصماتها في مجالات واسعة، من العمارة والثقافة إلى التجارة والحياة الحضرية، وما تزال حاضرة في المشهد الحضاري للعراق المعاصر.