ترك برس
استعرض مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، أهمية الجغرافيا في تشكيل السياسة الدولية والاقتصاد والأمن في الشرق الأوسط، ويناقض فكرة شائعة تقول إن العولمة والتكنولوجيا أضعفت دور الجغرافيا.
يؤكد الكاتب في مقاله بصحيفة الشرق القطرية أن الجغرافيا لم تفقد أهميتها، بل عادت لتصبح عاملاً حاسماً في تحديد مسارات التجارة والتحالفات والصراعات.
كما يتناول تطور أهمية المنطقة عبر التاريخ: من الحقبة العثمانية، إلى قناة السويس، ثم اكتشاف النفط، وصولاً إلى الصراعات الحديثة.
وفيما يلي نص المقال:
كان يُعتقد لفترة طويلة أن انتشار الإنترنت وتوسع النقل الجوي والتجارة العالمية قد قلّل من أهمية الجغرافيا وحدود الدول، وأن الطرق البرية والبحرية ستبقى مفتوحة ومستقرة على الدوام. غير أن التطورات التي شهدها الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة أثبتت أن الجغرافيا لم تفقد أهميتها، بل عادت لتؤدي دوراً محورياً في تشكيل التجارة، والأمن، والسياسة، والتحالفات. فهذه المنطقة، التي تضم العالم العربي والأناضول وتقع عند ملتقى ثلاث قارات، ظلت عبر التاريخ ساحةً للتنافس والصراع، ولا تزال حتى اليوم إحدى أكثر المناطق تأثيراً في توازنات القوة الإقليمية والدولية.
عاشت المنطقة لمدة أربعة قرون في ظل الوحدة العثمانية في أجواء من السلم والاستقرار. وقد أدى افتتاح قناة السويس عام 1869 إلى تقصير الطرق البحرية بين الشرق والغرب بصورة كبيرة. وفي القرن العشرين، جعل اكتشاف احتياطيات ضخمة من النفط في الخليج العربي المنطقةَ المورّدَ الرئيسي للطاقة في العالم. كما بدأت الدولة العثمانية، للحفاظ على نفوذها في مواجهة تزايد التأثير البريطاني في البحر الأحمر والخليج العربي، في إنشاء خط سكة حديد الحجاز وخط سكة حديد برلين–بغداد.
دخلت القوى الاستعمارية، أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، في منافسة شديدة للسيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية. وظلت هذه الجغرافيا مسرحاً للصراعات والتدخلات الدولية؛ فقد شهدت الحروب العربية–الإسرائيلية، والحرب العراقية–الإيرانية، وحروب الخليج، والاحتلالات الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر، والحروب الأهلية التي أعقبت الربيع العربي في سوريا واليمن وليبيا. وهكذا كانت الجغرافيا في هذه التطورات فاعلاً ومفعولاً به في الوقت نفسه.
في الشرق الأوسط، تلعب الجغرافيا البرية دوراً حيوياً لا يقل أهمية عن الطرق البحرية. فبعد هجمات 11 سبتمبر، احتلت الولايات المتحدة العراق بعد أفغانستان، مما أدى إلى زعزعة استقرار رقعة جغرافية واسعة. وبعد الربيع العربي، سعت إيران إلى إنشاء «ممر بري» عبر العراق وسوريا للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، كما تمكنت من بسط نفوذها في البحر الأحمر والمحيط الهندي من خلال الحوثيين. لذلك، لا ينبغي النظر إلى الحروب والتوترات الدائرة حول ممرات التجارة العالمية في فلسطين والسودان واليمن والصومال، بل وحتى إثيوبيا، بوصفها أحداثاً عارضة أو مصادفات جيوسياسية.
في حين أن حرب غزة اليوم تهم أمن شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، فإن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قد أظهرت مدى أهمية مضيق هرمز في التجارة والأمن العالميين. وقد أثر إغلاق مضيق هرمز على اقتصادات العالم بأسره، بما في ذلك أطراف الحرب. وقد أدى صراع الحوثيين في اليمن إلى تعطيل حركة المرور في مضيق باب المندب، الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، مما تسبب في تأخير التجارة العالمية لعدة أسابيع وزيادة التكاليف بشكل كبير.
تولي قوى عظمى كالصين وروسيا والهند أهمية بالغة للممرات التجارية في الشرق الأوسط. وقد أطلقت الصين مبادرة "الحزام والطريق" لضمان أمن الإنتاج والاستهلاك العالميين، حيث تمر أجزاء كبيرة منها عبر الشرق الأوسط. وسعيًا منها لموازنة النفوذ الصيني، اقترحت الإدارة الأمريكية مشروعًا لإنشاء ممر تجاري يربط الهند بالشرق الأوسط وإسرائيل وأوروبا. وفي حين تواصل روسيا، المورد الرئيسي للطاقة، اهتمامها بالمنطقة، تراقب الصين والهند عن كثب التطورات في الخليج لتلبية احتياجاتهما من الطاقة والأسواق.
وقد أعاد إغلاق مضيق هرمز التذكير بأهمية المنطقة الجغرافية، وبدأت مشاريع تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز. وقد تحركت تركيا والمملكة العربية السعودية لإحياء خط سكة حديد الحجاز الذي تم تنفيذه قبل 120 عامًا. وسيؤثر هذا المشروع أيضًا على الطرق البرية وخطوط الطاقة. وقد أظهرت هذه التطورات الأهمية الجغرافية لسوريا من حيث انفتاحها على البحر الأبيض المتوسط وتوفيرها لربط بري مع أوروبا عبر تركيا.
ورغم أهمية الموقع الجغرافي، إلا أنه لا يضمن النجاح السياسي بالضرورة. يتطلب الأمر إرادة سياسية، ومهارات إدارية، وتعاونًا لإدارة الفرص والمخاطر التي تنطوي عليها المنطقة بفعالية. واليوم، يشجع موقعنا الجغرافي مجددًا على التعاون بين دول المنطقة التي نسميها محور الاستقرار. وبفضل ترابطها عبر الطرق البحرية والبرية والسكك الحديدية، فضلًا عن خطوط أنابيب الطاقة، انطلقت المنطقة في مسيرة نحو مزيد من الاستقرار والقوة. وستسعى جميع دول المنطقة، باستثناء إسرائيل، إلى الانضمام إلى هذا المسار نحو الاستقرار والسلام.