ماذا يمكن أن يحدث بعد التوافق؟

ترك برس

ماذا يمكن أن يحدث بعد التوافق؟

  • منذ 9 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس
أصبح وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أخيراً، قابلاً للتوقع إلى حدٍّ ما.
فبعد التصريحات التي أدلى بها ترامب، والتي كانت تتغير بزاوية مئة وثمانين درجة يوماً بعد يوم، قدّم الجانب الإيراني أيضاً رداً يؤكد التطورات، وإن كان ذلك بمستوى أكثر حذراً.
وخلاصة القول، يبدو أننا نقف للمرة الأولى أمام عتبة يمكن أخذها على محمل الجد.
كنت قد ذكرت في مقالات عدة أن «حرب الأربعين يوماً» انتهت عملياً بخسارة الولايات المتحدة بكل المقاييس، في حين خرجت إيران منتصرة.
نعم، هناك من يرى أنه لا يمكن النظر إلى المسألة من زاوية المنتصر والمهزوم، ويعتبر أن الوضع أقرب إلى حالة من الجمود.
ومن زاوية معينة، لا يمكن القول إنهم مخطئون تماماً.
لكن عند الأخذ في الاعتبار دوافع الحرب وأهدافها وموازين القوى، يمكن رؤية الهزيمة الأمريكية الثقيلة الكامنة خلف هذا الجمود بوضوح.
فمن الواضح أنهم لم يحققوا أياً من الأهداف والدوافع التي أعلنوا عنها في بداية الحرب.
لقد انهارت رواية إسقاط النظام في إيران و«تحرير» الشعب الإيراني.
بل على العكس، التف الشعب الإيراني حول النظام، بما في ذلك الغالبية الساحقة من المعارضين.
ثانياً، كانوا يعتزمون تدمير البرنامج النووي الإيراني، لكنهم فشلوا في ذلك.
وثالثاً، كانوا يهدفون إلى القضاء على القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية، ولم ينجحوا في ذلك أيضاً.
وفي المقابل، تكبد الوجود العسكري الأمريكي في الخليج خسائر فادحة.
والأهم من ذلك، أن البنية الثقافية الهيمنية التي أسستها الولايات المتحدة في تلك المنطقة انهارت.
وأخيراً، أدى إغلاق مضيق هرمز والحصار الذي قيل إن الولايات المتحدة فرضته إلى وضع الاقتصاد العالمي تحت ضغط شديد.
بل إن ارتفاع أسعار الوقود انعكس مباشرة على جيوب المواطنين الأمريكيين.
وبدأت تتصاعد أصوات التذمر حتى من الأوساط التي كانت تحمل آراء إيجابية تجاه ترامب، الذي ينتظره اختبار صعب في انتخابات نوفمبر.
ولا نعرف على وجه الدقة حجم الأضرار التي تعرضت لها إسرائيل.
غير أن استمرار التعتيم الإعلامي حتى الآن يوحي بأن الوضع خطير للغاية.
أما النتيجة الأهم، فهي اتضاح أن إسرائيل لا تستطيع خوض حرب ضد إيران من دون الولايات المتحدة، وأن إصرارها على ذلك سيقودها إلى عواقب وخيمة.
ولهذا السبب، بذل نتنياهو جهوداً كبيرة لإبقاء ترامب على خط الحرب.
(وبالمناسبة، استطاع أن يستغل حالة الجمود هذه كفرصة لزيادة هجماته في لبنان).
لكن يبدو أن الأمور وصلت إلى مرحلة حرجة، إلى درجة دفعت ترامب أخيراً إلى قطع الخيوط والتخلي عن نتنياهو والضغط باتجاه الحل.
وسيكون من الخطأ الكبير اعتبار التفاهم بين إيران والولايات المتحدة حلاً نهائياً.
ومن الضروري التأكيد على ذلك منذ البداية.
فلكي يكون هناك حل نهائي، يبدو أن لبنان سيؤدي دوراً محورياً.
ولا يبدو من الممكن أن تتقبل إيران العمليات الوحشية والدموية التي تشنها إسرائيل ضد حزب الله في لبنان، والتي تتسبب بخسائر مدنية فادحة.
وإذا لم تتمكن الولايات المتحدة من كبح إسرائيل، فإن التوصل إلى اتفاق نهائي سيكون بالغ الصعوبة.
كما أنه ليس من الصعب التنبؤ بأن نتنياهو سيفعل كل ما بوسعه خلال الأيام المقبلة لعرقلة مسار التسوية.
وخلاصة القول، ينبغي ألا ننسى أن الحرب ليست ثنائية بين الولايات المتحدة وإيران، بل تشمل طرفاً ثالثاً متمثلاً بإسرائيل، التي تبدو كأنها بؤرة متقيحة.
ولذلك، فإن الإعلان منذ الآن عن حل الأزمة سيكون تصرفاً متسرعاً.
ولنفترض أنه جرى التوصل إلى حل نهائي، فما الذي يمكن أن يحدث بعد ذلك؟
يبدو من المؤكد أننا سنكون أمام مشهد تتعاظم فيه مكانة إيران الإقليمية على مختلف المستويات.
فهل يمكن احتواء إيران بعد استعادة أصولها المجمدة، وبدء حصولها على حصة لوجستية ومالية من تجارة الخليج، وتمتعها بتفوق معنوي؟
لا أعتقد ذلك أبداً.
ولن تقتصر تداعيات هذا الأمر على الشرق الأوسط فحسب، بل ستمتد أيضاً إلى القوقاز، بما ستكون له انعكاسات مباشرة على تركيا.
ولنبدأ بالقوقاز.
نعلم مدى الانزعاج الروسي من الانتخابات في أرمينيا.
ولم يصدر حتى الآن أي موقف واضح من الصين.
(ولا ينبغي انتظار ذلك أصلاً).
لكن ليس من الصعب استنتاج أن الصينيين أيضاً غير راضين عن المشهد.
وأرى أنه من المرجح جداً أن تتشكل مقاومة تقودها إيران وروسيا والصين في مواجهة محاولات إخضاع خط تركستان - بحر قزوين للنفوذ الغربي، وأن تتجلى في القوقاز أيضاً مرحلة جديدة من تعميق التعاون بين إيران وروسيا، الذي تعزز خلال الحربين الأوكرانية والخليجية.
ومن المرجح أن يكون أول ما ستسعى إليه إيران بعد أي اتفاق محتمل هو تعزيز نفوذها في العراق.
وأعتقد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان ذلك، وقد بدأتا بالفعل اتخاذ تدابير مضادة.
وأرى أن السبب الرئيسي وراء حديث باراك، الذي يُعد من أصدقاء إبستين المقربين، بشكل متكرر عن فوائد نظام الملل العثماني، ومحاولته استدراج تركيا إلى العراق عبر إغراء لعب دور الراعي للأكراد والعرب السنة، يكمن في هذا السياق.
فالتذكير المستمر بثنائية السلطان سليم الأول والشاه إسماعيل، وبالانقسام العثماني - الصفوي، لا يأتي من فراغ.
إنهم يريدون إنشاء حاجز تركي - كردي في مواجهة التوسع الإيراني المحتمل في العراق.
وأعتقد أن دول الخليج وجدت نفسها في فراغ كبير بعد «حرب الأربعين يوماً»، وأصبحت في الوقت نفسه أكثر هشاشة أمام إيران وإسرائيل.
ونرى أن السعودية وقطر، في المقام الأول، تشجعان وتدعمان إنشاء مظلة حماية جديدة تقودها باكستان وتركيا بقدراتهما العسكرية القوية.
فباكستان تتولى عملياً حماية السعودية.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك رغبتهم في إشراك تركيا ومصر أيضاً.
وهنا تبرز الإمارات بوصفها الطرف الأكثر إشكالية.
فعلى الرغم من الضربات الكثيرة التي تلقتها من إيران، لا تزال الإمارات تمضي قدماً في تعزيز تقاربها مع إسرائيل.
وأعتقد أن لديها شرطاً واحداً فقط للانضمام إلى هذه المظلة الجديدة، وهو توجيهها نحو موقف معادٍ لإيران.
كما أعتقد أن إسرائيل ستسعى إلى نقل ثأرها مع إيران إلى جبهة جديدة.
وإذا جرى بناء هذا الحاجز، فأنا أرى أنه يُصاغ ليكون بنية سنية ذات أساس تركي - عربي - باكستاني، بهدف تعبئتها في مواجهة إيران.
وهناك أيضاً محور آخر أعتقد أن تركيا تُدفع للانخراط فيه، وتتمركز سوريا ولبنان في قلبه.
وتوجد بعض المؤشرات على ذلك.
لكنني أرى أيضاً أن هذه المؤشرات لم تنضج بعد.
وإذا أصبحت بعض الأمور أكثر وضوحاً وملموسية، فسنكتب عنها إن شاء الله.
وخلاصة القول، تبدو السيناريوهات المحتملة في كل من القوقاز والشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة مرشحة لدفع العلاقات بين تركيا وإيران وروسيا نحو مزيد من التباعد.
فلننتظر انعقاد ذلك الاجتماع المرتقب لحلف شمال الأطلسي، وبعدها سنرى ما سيحدث.

عن الكاتب

سليمان سيفي أوغون

كاتب في صحيفة يني شفق




عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>