نيلغون غوموش - حرييت - ترجمة وتحرير ترك برس
إن قرار رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب سحب القوات من ألمانيا يُعد تطوراً بالغ الأهمية، سواء من الناحية التاريخية أو من حيث مستقبل البنية الأمنية في أوروبا. في الواقع، كان هذا التحرك متوقعاً من ترامب، لكن توقيته يبدو أنه فاجأ القادة الأوروبيين.
لماذا تُعد هذه القواعد حاسمة؟
في إطار الدفاع الأوروبي الذي تشكّل بعد هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية، تمتلك الولايات المتحدة العديد من القواعد العسكرية في ألمانيا. وبينما يتمركز نحو 86 ألف جندي أمريكي في أوروبا، فإن 39 ألفاً منهم يخدمون في ألمانيا.
هذه الوجود العسكري كان عنصراً رادعاً مهماً في البداية ضد الاتحاد السوفييتي، ثم ضد روسيا، كما أن القواعد في ألمانيا لعبت دوراً كبيراً في التدخلات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان وإيران. فقد تم تزويد الطائرات الحربية بالوقود في رامشتاين، بينما تلقى الجنود الجرحى في ساحات القتال العلاج في المستشفى العسكري في لاندشتول.
لماذا فعل ترامب ذلك؟
في الوقت نفسه، تحاول الولايات المتحدة منذ سنوات إعادة توجيه استراتيجياتها الأمنية لتُعطي الأولوية لمنطقة المحيط الهادئ والتهديدات القادمة من الصين. ومنذ ولايته الأولى (2017–2021)، يرى دونالد ترامب أن واشنطن تتحمل العبء المالي والعسكري الأكبر داخل حلف شمال الأطلسي، بينما لا تقوم أوروبا بدورها في تقاسم هذا العبء. وفي نهاية المطاف، قرر أعضاء الناتو في قمة لاهاي التي عُقدت في يونيو الماضي رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
في الواقع، بعث الرئيس ترامب برسالتين إلى أوروبا: الأولى أن على أوروبا التوقف عن اعتبار الدعم العسكري الأمريكي أمراً مضموناً، والثانية أن عليها تجهيز جيوشها لمواجهة التهديدات المستقبلية. ونتيجة لذلك، بدأت أوروبا تناقش من جهة مستقبل الناتو، ومن جهة أخرى ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيتحول أيضاً إلى بنية عسكرية.
لماذا الآن تحديداً؟
عندما هاجم ترامب إيران في نهاية فبراير، لم يجد الدعم الذي كان يتوقعه من الشركاء الأوروبيين. كما شبّه الناتو بـ«النمر الورقي» وهدد أكثر من مرة بالانسحاب من الحلف.
لكن التطور الذي فاقم التوتر كان تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس الأسبوع الماضي، حين قال إن الإيرانيين بارعون في التفاوض وإنهم أحرجوا الأمريكيين على طاولة المفاوضات. صحيح أن البنتاغون كان يخطط أصلاً للانسحاب من ألمانيا، لكن توقيت الإعلان بدا وكأنه رد مباشر على تصريحات المستشار ميرتس.
ما رسالة ترامب؟
الآن يحاول ميرتس ووزير الدفاع بوريس بيستوريوس تهدئة الأجواء بالقول إن الأمر «كان متوقعاً مسبقاً». وفي الاجتماع الذي عُقد في يريفان قبل قمة الجماعة السياسية الأوروبية، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن «التوقيت كان مفاجئاً»، بينما يرى الأمين العام لحلف الناتو مارك روته أن «أوروبا تلقت الرسالة».
في الحقيقة، كانت أوروبا تتلقى هذه الرسالة منذ فترة طويلة. ففي ظل ضغط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الغرب عبر حرب أوكرانيا، يرى القادة الأوروبيون أن على القارة أن تطور قدرتها الدفاعية الذاتية. وخطوة ترامب الأخيرة تحمل أيضاً رسالة واضحة لأوروبا: «أسرعوا في الاستعداد».
ما الذي يفرح بوتين؟
كان دونالد ترامب قد اتخذ قراراً مشابهاً في ولايته الأولى، لكن تنفيذ القرار تعطل بسبب فوز جو بايدن في الانتخابات. كما أنه خلال حرب أوكرانيا زاد بايدن من عدد القوات الأمريكية في أوروبا ولو بشكل محدود. والآن من المتوقع أن يؤثر هذا القرار أولاً على هذه الزيادة في الوجود العسكري.
لكن للقرار جانب أكثر حساسية من مجرد سحب القوات. ففي عهد بايدن، تم اتخاذ قرار بنشر صواريخ كروز بعيدة المدى مثل توماهوك في ألمانيا، إلى جانب القدرات العسكرية اللازمة لاستخدامها. وكان الهدف هو سد الفجوة الأمنية أمام روسيا باستخدام هذه الصواريخ الأمريكية إلى أن تطور أوروبا قدراتها الدفاعية الذاتية بين عامي 2030 و2032.
الآن تتخلى الولايات المتحدة عن إرسال هذه الصواريخ إلى ألمانيا، بينما يقول ميرتس إن واشنطن أصلاً لا تملك مخزوناً كافياً بسبب أزمة إيران. المستفيد من هذا الوضع هو روسيا بقيادة فلاديمير بوتين.
لماذا قمة أنقرة حاسمة؟
في بيئة تتصادم فيها الولايات المتحدة مع شركائها الأوروبيين، وتحاول فيها بعض دول الاتحاد الأوروبي استبعاد تركيا من البنية الدفاعية الجديدة بسبب اعتراضات داخلية، تكتسب قمة الناتو التي ستُعقد في أنقرة مطلع يوليو أهمية غير مسبوقة.
اليوم، في كل النقاشات المتعلقة بحلف الناتو، أصبحت كل الطرق تؤدي إلى أنقرة. هل يمكن إقناع ترامب بالبقاء داخل الناتو؟ وكيف ستتشكل البنية الدفاعية الأوروبية الجديدة؟ في ظل هذه التحولات، تجد تركيا المضيفة نفسها أمام دور مكثف، سواء في حماية مصالحها أو في المساهمة في إيجاد حلول داخل الحلف، خاصة بعد أن لعبت خلال السنوات الأخيرة دور الوسيط في حل العديد من الأزمات.