من روديارد كيبلينغ إلى ماركو روبيو: "مهمة الحضارة"

ترك برس

من روديارد كيبلينغ إلى ماركو روبيو: "مهمة الحضارة"

  • منذ 13 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
سلجوق ترك يلماز - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
لقد حظيت كلمة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن الـ62، قبل أسبوعين، بصدى واسع في تركيا وفي الصحافة الأجنبية. ويمكننا أن نتوقع أن هذه الكلمة ستتم مناقشتها في سياقات مختلفة مستقبلاً. ذلك لأن نص الخطاب تضمن عبارات ومفاهيم تشير إلى نظرة الولايات المتحدة تجاه الدول الأوروبية وبقية العالم. وإذا تم تحليل مثل هذه الخطابات بعناية، فمن الممكن التقاط المعاني العميقة للنص. في هذا المقال سأحاول التوقف عند مفهوم “الحضارة” (civilization) الوارد في خطاب ماركو روبيو، وتحليل النص في إطار هذا المفهوم. والمصطلح الذي يقابله لدينا هو “الحضارة”، وقد تكرر في النص عدة مرات وفي سياقات مختلفة مع الإشارة إلى وقائع تاريخية متنوعة.
في خطاب ماركو روبيو، استخدم مفهوم “الحضارة” أولاً في سياق العلاقات مع الاتحاد السوفيتي انطلاقًا من أزمة كوبا. ويمكن النظر إلى ذلك أيضًا كتقييم مختصر لفترة الحرب الباردة. روبيو يقيّم صراع العالم الغربي مع السوفييت بوصفه صراعًا حضاريًا. وكما هو معروف، كان هذا الصراع يُنظر إليه في فترات سابقة باعتباره صراعًا أيديولوجيًا. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي في التسعينيات، عندما تحدث الأمريكيون عن “صراع الحضارات”، كان المقصود في الغالب هو العالم الإسلامي. كان ذلك تحولًا من صراع أيديولوجي إلى صراع حضاري. وبعد التسعينيات تعرض العالم الإسلامي لهجمات شديدة استمرت قرابة ثلاثين عامًا. ودخل العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الجبهة الثانية طواعية، وفي عملية بدأت بغزو العراق شهدت عدة دول أكبر عمليات الدمار في تاريخها. ومن خلال تطورات الأحداث، يبدو أن الولايات المتحدة تريد الآن فتح جبهة ثالثة يكون مركزها الصين.
وفي هذا السياق، أود الإشارة إلى ملاحظة صغيرة تتعلق بمفهوم “civilization” الذي يُستخدم لدينا بمعنى الحضارة. نوربرت إلياس، في كتابه “عملية الحضارة” الذي تُرجم إلى لغتنا، يوضح أن مفهوم “civilization” يُستخدم بمعنى توسعي يختلف عن مفهوم الثقافة. يقارن إلياس بين مفهومي الثقافة والحضارة من خلال مقارنة ألمانيا وإنجلترا وفرنسا، ويشير إلى أن المعنى التوسعي لـ“civilization” يحيل إلى تاريخ استعماري. فبحسبه، كان الإنجليز والفرنسيون يجدون صعوبة في فهم مفهوم الثقافة الألماني لأن الألمان كانوا يحاولون من خلاله تحديد الحدود. أما مفهوم الحضارة، فله معنى توسعي. هذا الاختلاف نابع من تاريخ التوسع الاستعماري في فرنسا وإنجلترا.
في القرن التاسع عشر، قامت إنجلترا وفرنسا بتوسيع نطاق سيطرتهما على مناطق مختلفة من العالم بشكل أسرع. ومن المعروف أن عملية استعمار أمريكا الشمالية اكتملت أيضًا في القرن التاسع عشر. وقد اتبعت إنجلترا وفرنسا سياسة توسعية تحت شعار “مهمة الحضارة”. وكان ذلك بلا شك موقفًا أيديولوجيًا، وقد وصف مفكرون مثل روديارد كيبلينغ هذه المهمة بأنها عبء الرجل الأبيض. ومن هذا المنطلق يتضح أن ماركو روبيو يتحدث عن “civilization” بالمعنى الذي قصده كيبلينغ. لكن يجب أيضًا تحديد الفارق الجوهري بينهما.
في خطاب روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، وفي فقرة تناول فيها مفهوم “الحضارة”، ظهر معنى مختلف عن مفاهيم القرن التاسع عشر أو التسعينيات. يقول روبيو: “يجب أن نسيطر على حدودنا الوطنية”. ويضيف في السياق نفسه: “التحكم في من يدخلون إلى بلادنا وفي عددهم ليس تعبيرًا عن كراهية الأجانب”. ويؤكد أن هذا التحكم “هو الفعل الأساسي للسيادة الوطنية”. ويقول إنه إذا لم يتم تحقيق هذا التحكم، فإنهم لن يكونوا قد قاموا “بأحد واجباتهم الأساسية تجاه الشعب”. ويرى أن هذا الوضع يشكل “تهديدًا عاجلًا لبقاء حضارتهم”. من الواضح أن روبيو يتحدث عن مهمة جديدة باسم الحضارة. وإذا لم تُنجز هذه المهمة، فإن “النسيج الاجتماعي للولايات المتحدة وأوروبا سيتعرض للتفكك”. وفي الفقرات اللاحقة يتحدث عن “القوى التي تهدد كلًا من أمريكا وأوروبا اليوم وتهدد بإبادة الحضارة”، وعن ضرورة إحراجها وردعها.
انطلاقًا من الإطار الذي طرحه نوربرت إلياس، يمكن القول إن مفهوم “civilization” في خطاب روبيو يقترب من معنى مفهوم الثقافة كما يُفهم في الألمانية. فكما في مفهوم الثقافة الألماني في القرن التاسع عشر، يبرز بوضوح معنى رسم الحدود وحمايتها، وهو ما يعد أمرًا لافتًا.


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين




>