"وتأتي الدعوة في وقت تتجدد فيه المطالب بوقف الحرب والعودة إلى الحوار السياسي، وهي مطالب تتقاطع مع ما أكده شيخ الأزهر بشأن ضرورة تغليب لغة السلام، ونبذ العنف، والعمل على تعزيز التفاهم والتعايش بين الشعوب، بعيدا عن دوائر الصراع التي أثقلت كاهل المنطقة.
وفي حين يرى سياسيون يمنيون أن المبادرة يمكن أن تمثل مدخلا لاحتواء التصعيد وتهيئة الظروف أمام تسوية شاملة، يشكك آخرون في قدرتها على إحداث اختراق ملموس في المرحلة الراهنة، معتبرين أن نجاح أي دعوة للسلام يظل مرهونا بمواقف الأطراف المعنية ومدى استعدادها لتقديم تنازلات فعلية.
وبين الرهان على الحوار والتحذير من تحول التهدئة إلى استراحة مؤقتة بين جولات القتال، تتباين تقديرات الخبراء بشأن فرص نجاح المبادرة، في ظل خلافات تتجاوز وقف إطلاق النار إلى قضايا سياسية جوهرية، من بينها مستقبل التسوية في اليمن، وضمانات عدم تجدد المواجهات، ومكانة القضية الجنوبية في أي اتفاق مقبل.
ويرى متابعون أن التحدي الأساسي لا يتمثل في الترحيب بالمبادرات بقدر ما يرتبط بقدرة الأطراف على ترجمة مواقفها إلى إجراءات عملية تضمن وقف التصعيد ومعالجة جذور الأزمة، بما يحول دون إعادة إنتاج الصراع في صورة أكثر تعقيدا.
قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، العميد حميد عبد القادر: إن "مبادرة شيخ الأزهر لاقت ارتياحا شعبيا ورسميا لدى أبناء الشعب اليمني والقوى السياسية، لأنها تدعو إلى وقف الحرب وإراقة الدم اليمني"، مؤكدا أن المبادرة رائعة وتستحق النشر والعمل بها من قبل الأنظمة العربية كافة، وتحويلها إلى خطوات عملية على أرض الواقع.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": أن "المشكلة تكمن في موقف داعمي الطرف الآخر من هذه المبادرة الوطنية، التي حرص شيخ الأزهر من خلالها على توحيد الصف ووحدة الأمة، بما يكفل وقف الحرب، ورفع الحصار عن اليمن، ودفع التعويضات، وخروج القوى غير اليمنية من اليمن بصورة مشرفة، وترك اليمنيين يقررون مستقبلهم السياسي".
وأشار عبد القادر إلى أن الاستجابة لهذه المبادرة من شأنها، بحسب تقديره، أن تفتح الباب أمام رفع الحصار عن الخصوم في البحر الأحمر، ووقف الضربات الصاروخية عليها، بما يمهد للدخول في حل سياسي شامل يضمن تخفيف معاناة الشعب اليمني، وخروج التحالف من الحرب التي قال إن واشنطن ورطته فيها، واستمرت 12 عاما دون تحقيق أي هدف لصالحهم.
في المقابل، قال اللواء عبد الله غانم القحطاني، الخبير العسكري والاستراتيجي السعودي، إن "دعوة شيخ الأزهر إلى السلام والاطمئنان ونبذ الحروب والعنف، والسعي إلى بناء مجتمع خال من التوترات، هي دعوة جيدة في مضمونها، وتعكس تعاليم الدين الإسلامي الذي يدعو إلى السلام والتهدئة والوئام، ولا يدعو إلى الحروب أو العداوات الإنسانية، حتى مع المخالفين والأعداء، قدر المستطاع".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": أن "التعامل مع هذه الدعوات بحسن نية يفترض أن يقابله إدراك لطبيعة العدو الذي تواجهه المنطقة حاليا، مشيرا إلى أن الإرهاب لا دين له ولا يعترف بالإنسانية، وأن المنطقة تخوض مواجهة مع هذه التنظيمات التي تهدد أمنها واستقرارها".
وأكد القحطاني أن دول المنطقة حاولت طويلا إتاحة الفرصة للتفاهم والحوار والسعي إلى السلم، باعتباره الوسيلة والهدف المنشود، لكن هذه الميليشيات، بحسب تعبيره، لا تعترف بالدين أو الأخلاق أو الإنسانية، ولا تحترم الدين الإسلامي تحديدا.
وأوضح أن دعوة شيخ الأزهر تأتي في إطار الرسالة التي يحملها العلماء دائما، والداعية إلى المحبة والسلام والوئام، لكنه لا يعتقد أن هذه الدعوة ستؤدي، في المرحلة الحالية، إلى استجابة من الأطراف التي تخوض المواجهة.
وأشار القحطاني إلى أن الحرب، من وجهة نظره، ليست بين دول، كما ورد في البيان، وإنما هي مواجهة مع منظمات إرهابية ومجموعات إجرامية لا تتبع دينا ولا تمثل هذه الدول، لافتا إلى أن الدعوة تبدو جيدة في ظاهرها، لكن تحليل مضمونها في ضوء الواقع لا يدعو إلى توقع تأثير ملموس لها لدى هذه التنظيمات.
وتابع أن هذه المنظمات، بحسب وصفه، تحارب الأمن والإنسانية وتستهدف القيم الدينية، ولذلك لا يتوقع أن تستجيب لدعوة تقوم على السلام والتفاهم، بل يرى أن مشروعها يتعارض أساسا مع المبادئ التي دعا إليها شيخ الأزهر.
ولفت القحطاني إلى أنه لا يتوقع، في المقابل، أن تتعامل الدول المعنية بمكافحة الإرهاب مع هذه التنظيمات بحسن النية وحده، بعد التجارب السابقة وما وصفه بالفرص المتكررة التي أتيحت لها، مؤكدا أن هذه الدول دفعت ثمنا كبيرا جراء تمدد التنظيمات الإرهابية في المنطقة.
واستشهد بما شهدته ليبيا والسودان واليمن والعراق ولبنان وسوريا، معتبرا أن التنظيمات التي تنشط في هذه الساحات لا تعترف بمثل هذه الدعوات، بل إن مشروعها، بحسب تقديره، يقوم على مواجهة المبادئ التي تنادي بها.
وتساءل القحطاني عن جدوى التفاهم مع هذه التنظيمات في ظل مواقفها، معتبرا أن التعامل معها يتطلب وضع حد لتهديداتها، وأن دعوة شيخ الأزهر لن يكون لها، على الأرجح، تأثير ملموس على أرض الواقع في المرحلة الراهنة، لأن الظروف، من وجهة نظره، تجاوزت مرحلة الاكتفاء بالدعوات إلى السلام.
واختتم القحطاني بالتأكيد أن دعوات مماثلة صدرت سابقا عن الأزهر الشريف وجهات إسلامية أخرى، بل وعن دول أيضا، لكنها لم تحقق، بحسب تقديره، نتائج ملموسة، قائلا إن المحصلة حتى الآن لم تتجاوز ذلك.
من جانبه، قال سامي العدني، الأمين العام المساعد لمجلس الحراك الوطني الجنوبي، إن "مبادرة شيخ الأزهر تمثل فرصة لاحتواء التصعيد ومنع توسع الحرب في اليمن، خصوصا في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة، وما قد يترتب على استمرار المواجهة من تداعيات خطيرة على اليمن ودول الجوار".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن "نجاح المبادرة يظل مرتبطا بمدى جدية الأطراف المعنية في التعامل معها وتحويلها من مجرد ترحيب إلى خطوات عملية على الأرض".
وتابع العدني: أن "ترحيب جماعة أنصار الله "الحوثيين" بالمبادرة لا يكفي وحده للحكم على فرص نجاحها، فالعبرة ليست في المواقف المعلنة، وإنما في مدى الاستعداد لتقديم تنازلات حقيقية وتغليب لغة الحوار على التصعيد العسكري".
وأشار إلى أن "هناك نقطة مهمة تتمثل في ضرورة الحذر من تحول الهدنات إلى غطاء لاستدامة الصراع بدلا من إنهائه، أو إلى فرصة تستغلها جماعة أنصار الله لإعادة بناء قدراتها العسكرية وتعزيز استعداداتها لجولات جديدة من الحرب، في حين تبقى جذور الأزمة دون معالجة".
وأوضح العدني أن "التهدئة التي لا ترتبط بضمانات واضحة وآليات للرقابة والتنفيذ قد تؤجل المواجهة، لكنها لا تنهي أسبابها، بل ربما تجعل العودة إلى الحرب أكثر تعقيدا وكلفة".
وقال إنه "من هذا المنطلق، ينبغي ألا تقتصر أي مبادرة جادة على وقف إطلاق النار أو احتواء التصعيد مؤقتا، بل يجب أن تقود إلى مسار سياسي واضح يعالج جذور الانقلاب والحروب المتعاقبة، ويضمن عدم استغلال فترات الهدوء لفرض واقع جديد بالقوة أو الإعداد لجولات أخرى من الصراع"، مؤكدا أن السلام الحقيقي لا يقوم على إدارة الحرب وتأجيل انفجارها، وإنما على معالجة أسبابها ووضع ضمانات تحول دون تكرارها.
وأكد العدني أن الأزمة اليمنية لا يمكن اختزالها في المواجهة العسكرية أو الخلافات بين الأطراف الإقليمية، فهناك قضايا سياسية جوهرية لا بد من معالجتها للوصول إلى سلام مستدام، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، التي تمثل قضية سياسية ذات جذور تاريخية، ولا يمكن تجاوزها أو ترحيلها في أي تسوية مقبلة.
وقال: "نحن ندعم كل الجهود الصادقة الرامية إلى وقف الحرب واحتواء التصعيد، لكننا نؤكد أن نجاح أي وساطة يجب أن يقاس بقدرتها على تحويل الهدنة إلى مدخل للسلام، لا إلى استراحة مؤقتة بين جولتين من الحرب".
وأضاف أن "ذلك يتطلب التزامات واضحة وضمانات قابلة للتنفيذ، ومعالجة حقيقية للقضايا التي أدت إلى الصراع، بما يضمن أمن اليمن والمنطقة ويحفظ حقوق جميع الأطراف".
واختتم العدني بالقول إن "مصلحة الجنوبيين تكمن في إنهاء الحرب والحفاظ على الأمن والاستقرار، وضمان حضور القضية الجنوبية في أي مسار سياسي، بما يفضي إلى حل عادل يعبر عن إرادة شعب الجنوب وتطلعاته".
وشدد على أن السلام الذي يتجاهل جذور الأزمات أو يؤجل معالجتها لن يكون سلاما مستداما، وإنما تسوية مؤقتة قد تعيد إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدا.
وتأتي الدعوات إلى التهدئة في اليمن في ظل استمرار تعقيدات الصراع وتداخل أبعاده المحلية والإقليمية، بعد سنوات من الحرب التي أفرزت أزمة إنسانية واقتصادية واسعة، وأبقت فرص التسوية السياسية رهنا بالتفاهمات بين الأطراف اليمنية والقوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف.
ولم يقتصر الصراع على المواجهات العسكرية داخل اليمن، بل امتدت تداعياته إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر، في ظل الهجمات والضربات المتبادلة والتوترات المرتبطة بالتطورات الإقليمية. وأدى ذلك إلى زيادة المخاوف من اتساع نطاق المواجهة، بما يهدد أمن المنطقة ويضاعف الأعباء الاقتصادية والإنسانية.
وفي موازاة المساعي الرامية إلى وقف التصعيد، لا تزال الخلافات قائمة بشأن الضمانات المطلوبة لأي هدنة، وآليات تنفيذ الاتفاقات، ومستقبل العملية السياسية، فضلا عن القضايا الداخلية التي يتعين حسمها في إطار تسوية شاملة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية وترتيبات الحكم ومستقبل مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، تبرز الدعوات الدينية والسياسية إلى نبذ العنف والعودة إلى الحوار بوصفها أحد المسارات الممكنة لخفض التوتر، غير أن تحويلها إلى اتفاق قابل للتنفيذ يتطلب توافقا سياسيا وضمانات واضحة والتزامات متبادلة، تحول دون استغلال فترات التهدئة في إعادة الاستعداد للمواجهة.