ترك برس
تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، تداعيات انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 30 سبتمبر/أيلول 2026، وما قد يترتب عليه من تحولات في المشهد الأمني والسياسي والإقليمي، في ظل سعي بغداد إلى تعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح والقرار الأمني بالمؤسسات الرسمية.
ويركز الكاتب على مستقبل النفوذ الإيراني عبر القوى السياسية والفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، ومدى قدرة الحكومة العراقية على الحد منه بعد زوال الوجود العسكري الأمريكي، إلى جانب تأثير الانسحاب على إقليم كردستان، وحسابات تركيا الأمنية في شمال العراق، واحتمالات إعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد.
كما يبحث في الدور الذي يمكن أن تؤديه تركيا والدول العربية والمجتمع الدولي في دعم استقرار العراق ومنع تحوله إلى ساحة نفوذ إيراني مهيمن، مع طرح سؤال أساسي حول ما إذا كان الانسحاب الأمريكي يمثل فرصة حقيقية لتعزيز السيادة العراقية أم أنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي.
وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة الشرق القطرية:
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دشّنت الولايات المتحدة ما عُرف بـ«الحرب على الإرهاب»، فبدأت باحتلال أفغانستان، ثم انتقلت إلى غزو العراق عام 2003. غير أن تعثر التجربتين الأفغانية والعراقية أضعف مشروع إدارة جورج بوش لإعادة صياغة النظام الدولي وتشكيل الشرق الأوسط بما يتوافق مع المصالح والرؤية الأمريكية. وفي عام 2011 سحبت واشنطن قواتها من العراق، قبل أن تعود إليه مجددًا عام 2014 ضمن إطار التحالف الدولي الذي تشكّل لمواجهة تنظيم داعش. ومع انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 30 سبتمبر 2026، تدخل السياسة الأمريكية في المنطقة مرحلة جديدة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد خروج القوات الأمريكية من سوريا خلال العام نفسه، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول مستقبل الدور العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وتأثير تراجعه المباشر في موازين القوى الإقليمية.
وتزداد أهمية هذه التطورات لكونها تأتي في مرحلة تشهد توترًا ومواجهة متزايدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد يُنظر إلى الانسحاب الأمريكي بوصفه عاملًا قد يسهم في تعزيز سيادة العراق، ويوسّع من مسؤولية مؤسسات الدولة في إدارة الملف الأمني. كما تشير تصريحات الحكومة العراقية إلى رغبة في ترسيخ سلطة الدولة وحصر القرار الأمني والسلاح ضمن الأطر الرسمية، مع الحد من تأثير القوى الخارجية والجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرتها. ويأتي ذلك في ظل استمرار الجدل حول حجم النفوذ الإيراني عبر بعض الفصائل المسلحة، إلى جانب بقاء حزب العمال الكردستاني في سنجار ومناطق أخرى. وفي المقابل، تواصل تركيا الاحتفاظ بوجود عسكري في شمال العراق، ولا سيما في منطقة بعشيقة، في إطار سياستها الأمنية تجاه حزب العمال الكردستاني. ومن ثم، قد تمثل مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي اختبارًا مهمًا لمدى قدرة الدولة العراقية على توسيع سيادتها الفعلية والحد من أشكال النفوذ والتدخل الخارجي.
يرتبط انسحاب الولايات المتحدة من العراق ارتباطًا وثيقًا بمستقبل العلاقات الإيرانية العراقية. ومن أبرز الأسئلة المطروحة في هذا السياق ما إذا كان سيتم نزع سلاح فصائل الحشد الشعبي القريبة من إيران، ومدى إمكانية إخضاعها بصورة أكبر لسيطرة مؤسسات الدولة. فمنذ فترة طويلة تؤدي الأحزاب السياسية المقربة من طهران والجماعات المسلحة المرتبطة بها دورًا مؤثرًا في المشهد السياسي العراقي. وكما كان الحال مع الحكومات السابقة، قد تسعى حكومة علي زيدي إلى اتباع سياسة أكثر استقلالية، إلا أن طبيعة التوازنات السياسية والأمنية داخل العراق تجعل من الصعب إبعاد النفوذ الإيراني بصورة كاملة. وبعبارة أخرى، حتى إذا أعلنت الحكومة العراقية أن جميع القوات الأجنبية ينبغي أن تغادر البلاد، فإن التعامل مع النفوذ الإيراني يختلف عن التعامل مع وجود عسكري أجنبي مباشر؛ إذ إن عددًا من القوى السياسية المتحالفة مع إيران والفصائل المسلحة القريبة منها تتكوّن من عراقيين، ويتمتع بعضها بوضع قانوني أو شبه قانوني داخل مؤسسات الدولة، فضلًا عن امتلاكها نفوذًا سياسيًا وعسكريًا كبيرًا. ولذلك فإن تقليص هذا النفوذ، فضلًا عن إنهائه، قد يكون مسألة شديدة التعقيد بالنسبة إلى أي حكومة عراقية.
ورغم أن الميليشيات المسلحة المعروفة باسم الحشد الشعبي تابعة لإيران، إلا أنها تتلقى رواتبها من الحكومة العراقية. ولن يرغب الحشد الشعبي في تسليم الأسلحة التي لديه إلى الدولة، خاصة أن إيران لن تسمح بذلك كورقة رابحة قوية في حال استمرت الحرب مع الولايات المتحدة. وستتضح إرادة الحكومة وقوتها بشأن هذه القضية في الأيام المقبلة. وبينما يزيل الانسحاب الأمريكي ذريعة التدخل الإيراني، فإنه سيزيد من مقاومة التدخل الإيراني، وهناك أيضاً احتمال أن يعزز يدها كثيراً إذ لم يعد لها بديل في المشهد العراقي. إن انسحاب الولايات المتحدة أمر بالغ الأهمية أيضًا لأمن ومستقبل حكومة إقليم كردستان. ويظل الأكراد في أربيل تقريباً القوة الوحيدة التي تقاوم النفوذ الإيراني في العراق.
استغلت إيران وميليشياتها وجود القواعد الأمريكية كذريعة لقصف أربيل بشكل متواصل خلال الحرب. ويزيد سحب الأنظمة الدفاعية من احتمالية تعرضها لهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية. وقد تسعى إيران أيضًا إلى تمكين القوى الكردية الحليفة مثل الاتحاد الوطني الكردستاني من السيطرة في إقليم كردستان العراق. لذا، بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق، إيران قد لا تكون راغبة في تقليص نفوذها، وستبقى إرادة الشعب العراقي نفسه العامل الأساسي في الحد من هذا النفوذ. غير أن هذه الإرادة تحتاج أيضًا إلى دعم داخلي واسع من مختلف القوى العراقية، وإلى اهتمام ومساندة من تركيا والدول العربية، فضلًا عن دعم دولي يساعد العراق على الحفاظ على توازنه وسيادته، ويحول دون استئثار إيران بنفوذ مهيمن على الساحة العراقية.