وأكد أن الاستمرار في سياسات الاستيطان والضم ومحاولات التهجير القسري يشكل تهديدا مباشرا للمصالح الوطنية الأردنية وللأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
وسلط الخطاب الملكي الضوء على خطورة الممارسات والتحركات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والجنوب السوري، مشددا على رفض المملكة القاطع لأي سيناريوهات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار أو المساس بحدود الأردن وأمنه المائي وسيادته الوطنية.
وقال الخبراء والمحللون إن شدة نبرة الخطاب تعكس تحولا استراتيجيا نحو صياغة موقف أكثر حزمًا وردعًا بوجه السياسات المتطرفة، مؤكدين أن الدبلوماسية الأردنية القائمة على السلام لا تعني التهاون مع التهديدات، وأن المرحلة القادمة قد تشهد مزيدا من الضغط السياسي والسيادي لحماية الاستقرار والأمن القومي.
أكد الدكتور نضال الطعاني، المحلل السياسي والبرلماني الأردني السابق، أن "خطاب العاهل الأردني في الأمم المتحدة وجه أنظار العالم والمجتمع الدولي بشكل كبير نحو الأطماع التوسعية لحكومة اليمين الإسرائيلي المتطرفة"، مبينا أنها "أصبحت أداة تهديد وتوسع في المنطقة، ولا سيما في الجنوب السوري ولبنان، وما تعانيه منطقة الضفة الغربية وغزة، بيد أن الخطاب لم يقتصر على تشخيص التطورات في الأراضي الفلسطينية فحسب، بل حمل تنبيهات للخارج وتعبئة للداخل الأردني".
وحذر الطعاني في حديثه مع "
سبوتنيك"، من أن شعور الحكومة الإسرائيلية بقدرتها على الإفلات من العقاب وصل إلى مرحلة صعبة، مشيرا إلى أن هذه الأطماع تحمل تحديات مباشرة وتداعيات لما يجري في الجنوب السوري، ومحوا للوجود الفلسطيني، وفرض واقع جديد بما يسمى بالتهجير القسري.
وأوضح أن "هذا التهجير القسري الذي تقوم به إسرائيل يطبق على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة"، مشددا على ضرورة ألا يكون هناك فصل ما بين غزة والضفة الغربية، معتبرا أن ذلك يشكل جزءًا كبيرا ومهما في عملية التهجير القسري التي يستعملها جيش الكيان الإسرائيلي بتضييق الخناق على أبناء الضفة والقطاع، وقطع سبل الحياة عنهم لإيجاد تهجير قسري حقيقي نحو الأردن.
وذكر الطعاني أن الأردن يشعر بهذا التهديد بالتهجير القسري نحو أراضيه، ولا سيما أن الانتخابات الإسرائيلية التي ستجري بعد أيام تشهد توافقات بين اليمين المتطرف واليمين الإسرائيلي على
التهجير القسري للفلسطينيين، وإيجاد دولة يهودية كاملة في المنطقة.
وأشار إلى أن خطاب الملك كان واعيًا وتوعويًا وتعبويًا وتوجيهيًا للعالم بوجود خطر قريب في المنطقة، لافتا إلى أن الأردن كان يعاني دائما من الهجرات القسرية المتتالية، كالهجرات الفلسطينية والسورية والعراقية واليمنية والليبية، مؤكدا أن إسرائيل تسعى لعدم استقرار الأردن والمنطقة بأسرها والتوسع فيها.
وقال الطعاني إن خطاب الملك جاء كافيا للتصدي لأمن البلاد الوطني والقومي والأمن المائي، لا سيما بعد احتلال إسرائيل لمناطق منابع نهر الأردن ونهر اليرموك التي يعتمد عليها الأردن بشكل كبير لاستخراج حصته المائية، موضحا أنه لن يكون هناك خط أحمر أمام الأمن المائي والقومي وأمن الحدود والتوسع، مشيرا إلى أن الملك حث الأردنيين على عدم تجاوز هذه الخطوط الحمراء بأي شكل من الأشكال في الأيام القادمة.
وحول ما إذا كان التصعيد سيدفع إلى مواجهات عسكرية بين الأردن وإسرائيل، استبعد البرلماني الأردني السابق وقوع اصطدام عسكري بين الجانبين، مؤكدا أن خطاب الملك نبه العالم والأطراف الضامنة للاتفاقيات لما يجول في خاطر الأردن، وما يواجهه من تحديات في الوضع الأمني والمائي ومواجهة التهجير القسري.
ويرى أن هذه القوى ستكون رادعا حقيقيا للكيان الإسرائيلي ولليمين المتطرف، رغم عدم معرفة ما ستفرزه الانتخابات الإسرائيلية المقررة من يمين متشدد قد يكون أكثر تطرفا من الحالي، مبينا أن الأيام القادمة ستبقى حبلى بمواجهة التحديات السياسية والأمنية والمائية التي تؤول إليها الحكومة التي يفرزها الكيان، مشددا على أن الأردن لن يكون مبادرا لأي حرب إلا إذا فرضت عليه، وحينها سيكون مواجهًا شرسًا وستقف البلاد كلها خلف قياداتها في كافة مواقفه السياسية والعسكرية والأمنية.
من جانبه، قال حمادة أبو نجمة، الخبير القانوني والسياسي الأردني، إن "تشديد لهجة الخطاب الملكي لا يعني اتجاه الأردن نحو مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بل يعكس انتقالا ضروريا إلى موقف أكثر حزما فرضته خطورة السياسات الإسرائيلية واتساع آثارها خارج الأراضي الفلسطينية".
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، خطاب
العاهل الأردني في الأمم المتحدة لم يعلن تغييرا في النهج الأردني القائم على الدبلوماسية والسلام، بل جاء ليؤكد أن هذا النهج لا يعني الصمت عن التهديدات أو القبول بالأمر الواقع.
واعتبر أبو نجمة أن "مصدر التصعيد الحقيقي لا يكمن في الخطاب الأردني، وإنما في استمرار العدوان على غزة وتسارع عمليات الضم والاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، بالإضافة إلى اتساع التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا بما يمس الحدود الأردنية والأمن المائي والمصالح الوطنية".
وأضاف أن الموقف الملكي يمثل رسالة ردع سياسية ودبلوماسية واضحة تشير إلى أن الأردن لن يسمح بانتقال هذه السياسات إلى مستوى يهدد أمنه القومي، مرجحا أن تشهد المرحلة القادمة مزيدا من التوتر والضغط السياسي والدبلوماسي إذا واصلت الحكومة الإسرائيلية نهجها الحالي، معتبرًا في الوقت ذاته أن المواجهة العسكرية ليست نتيجة حتمية ولا خيارا أردنيًا مطروحًا في الأصل.
وأشار الخبير القانوني والسياسي الأردني إلى أن الأردن معني بمنع الحرب وحماية استقراره، بقدر حرصه على الدفاع عن سيادته وحدوده ومياهه ورفض التهجير أو تصفية
القضية الفلسطينية على حسابه.
وشدد على أن مسار العلاقة سيتوقف بدرجة كبيرة على السلوك الإسرائيلي نفسه، فإذا بقي الخلاف في الإطار السياسي ستظل أدوات التعامل سياسية ودبلوماسية وقانونية، أما إذا تحولت الأطماع الإسرائيلية إلى إجراءات تمس الأمن أو الحدود أو الموارد الأردنية بصورة مباشرة، فمن الطبيعي أن يصبح الموقف الأردني أكثر حزمًا.
وكانت حركة حماس قد أعلنت موافقتها على مقترح لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوما يشمل تبادلا جزئيا للأسرى والمحتجزين ثم إطلاق مفاوضات تهدف إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء الحرب، في حين لم تقدم إسرائيل ردها رسميا على المقترح حتى الآن.
واستأنفت إسرائيل قصف غزة، يوم 18 مارس/ آذار الماضي، بعد توقف لنحو شهرين، وتحديدا منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة "حماس" في 19 يناير/ كانون الثاني، عقب تعثر المحادثات لتمديد المرحلة الأولى من الاتفاق أو الانتقال للمرحلة الثانية منه.
وكان من المفترض أن يستمر اتفاق وقف إطلاق النار بين
إسرائيل وحماس، بمجرد تمديد المرحلة الأولى منه، التي انتهت في الأول من مارس الماضي، أو الدخول في مرحلته الثانية، لكن الخلافات بين إسرائيل و"حماس" بشأن الخطوات التالية حالت دون ذلك.
وتشهد الضفة الغربية تصعيدًا استيطانيًا غير مسبوق، منذ مطلع العام الجاري، إذ كشفت "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان" الفلسطينية عن "رصد 153 مخططًا استيطانيًا في الضفة والقدس، تتضمن أكثر من 18 ألف وحدة استيطانية، منها 100 مخطط في الضفة الغربية، تضم نحو 12 ألفا و300 وحدة، و53 مخططا في القدس، تشمل 5783 وحدة".