من أفغانستان إلى العراق.. إرث 11 سبتمبر الذي غيّر الشرق الأوسط

ترك برس

من أفغانستان إلى العراق.. إرث 11 سبتمبر الذي غيّر الشرق الأوسط

  • منذ 12 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ترك برس
تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، التداعيات السياسية والعسكرية والاستراتيجية لهجمات 11 سبتمبر 2001 على الشرق الأوسط، بدءا من إطلاق الولايات المتحدة «الحرب على الإرهاب» وغزو أفغانستان والعراق، وصولا إلى الانعكاسات بعيدة المدى لهذه السياسات على بنية الدولة العراقية والتوازن الإقليمي. 
يركز أويصال في مقاله بصحيفة الشرق القطرية على أن إسقاط نظام صدام حسين أضعف العراق كقوة إقليمية وفتح المجال أمام تنامي النفوذ الإيراني، فيما أسهم نظام المحاصصة والانقسامات الطائفية في إضعاف مؤسسات الدولة. 
كما يستعرض تأثير الانسحاب الأمريكي وصعود تنظيم داعش وعودة واشنطن إلى العراق، وصولا إلى ما يعتبره إرثا مستمرا لـ11 سبتمبر يتمثل في هشاشة دول المنطقة، واختلال موازين القوى، وتوسع النفوذ الإيراني، واستمرار الحضور الأمريكي بأشكال مختلفة. وفيما يلي نص المقال:
شكَّلت هجمات 11 سبتمبر 2001 نقطة تحوّل أساسية في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، إذ أطلقت ما عُرف بـ «الحرب على الإرهاب» وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التدخل العسكري وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وقد استخدمت إدارة جورج بوش الابن هذه الهجمات لتعزيز موقع الولايات المتحدة بوصفها القوة الدولية المهيمنة، وربطت مكافحة الإرهاب بمشروع أوسع لإعادة صياغة العالم والمنطقة. فبعد غزو أفغانستان عام 2001، انتقلت واشنطن إلى العراق عام 2003 وأسقطت نظام صدام حسين رغم الاعتراضات العالمية. كما انعكست أجواء ما بعد 11 سبتمبر على المسلمين داخل الولايات المتحدة وخارجها، مع تصاعد الشكوك والتمييز والأحكام المسبقة تجاههم.
كان غزو العراق أكثر نتائج هذه المرحلة تأثيرًا في بنية الشرق الأوسط، إذ أدى سقوط النظام إلى إضعاف الدولة وإطلاق موجة طويلة من الاضطرابات الأمنية والتوترات الطائفية والصراعات الداخلية. ففي عهد صدام حسين كان العراق، رغم طبيعته السلطوية، يشكّل حاجزًا جيوسياسيًا أمام توسع النفوذ الإيراني باتجاه العراق والعالم العربي. ومع سقوط نظام البعث، وأصبحت إيران أكثر قدرة على التأثير في المشهد العراقي، ثم توسيع نفوذها إلى كل المنطقة.
وساهمت إدارة الاحتلال الأمريكي في ترسيخ هذه التحولات. فقد منحت القوى الشيعية والكردية دورًا أكبر في النظام السياسي الجديد، في حين شعر قطاع واسع من العرب السنة بالتهميش. كما لعب الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر دورًا محوريًا في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وترسيخ نظام المحاصصة الطائفية والإثنية. وأنتج هذا النظام حكومات ضعيفة وديمقراطية هشة، وفتح المجال أمام استمرار النفوذ الأمريكي من جهة، وتزايد قدرة إيران على التأثير في الأحزاب ومؤسسات الدولة من جهة أخرى، وهو ما جعل العراق يواجه صعوبة في بناء نظام سياسي مستقر يتجاوز الانقسامات الداخلية.
أما دول الخليج، فعلى الرغم من ارتياحها الأولي لسقوط صدام حسين، فإنها سرعان ما أدركت أن غياب عراق قوي أخلّ بالتوازن الإقليمي وتركها أمام نفوذ إيراني متصاعد. كما أثّر تراجع الوزن السني في العراق في توازنات العالم العربي وتركيا. وفي الوقت نفسه، دفعت أحداث 11 سبتمبر عددًا من الأنظمة العربية إلى تعزيز تعاونها الأمني مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، حتى في ظل الضغوط الأمريكية عليها تحت شعار نشر الديمقراطية. وهكذا وجدت دول الخليج ومصر وسوريا وليبيا نفسها بين الخشية من سياسات تغيير الأنظمة والحاجة إلى التعاون مع الولايات المتحدة للحفاظ على استقرارها.
وبعد غزو أفغانستان والعراق، ناقشت إدارة بوش توسيع سياسة تغيير الأنظمة لتشمل إيران، كما طُرحت فكرة إسقاط نظام الأسد في سوريا بسبب علاقته الوثيقة بطهران. غير أن الاعتراضات الإقليمية، ومنها الموقف التركي، إلى جانب تعثر الولايات المتحدة في العراق وارتفاع تكاليف الاحتلال، حدَّت من هذه الطموحات. وقد اقتربت الكلفة العسكرية المباشرة للحرب من تريليون دولار، بينما وصلت الكلفة الإجمالية، بما في ذلك نفقات المحاربين القدامى، إلى نحو ثلاثة تريليونات دولار. كما قُتل نحو خمسة آلاف أمريكي وأصيب عشرات الآلاف، بينما تكبّد العراق خسائر بشرية أكبر بكثير بين العسكريين، وقوات الأمن، والمدنيين والمقاتلين.
ومع وصول باراك أوباما إلى الرئاسة عام 2009، بدأت واشنطن تقليص وجودها العسكري. أنهت الولايات المتحدة مهمتها القتالية رسميًا عام 2010، ثم سحبت معظم قواتها بحلول نهاية 2011. إلا أن ضعف الدولة العراقية واستمرار الانقسامات الطائفية، بالتزامن مع اضطرابات الربيع العربي، أبقيا البلاد في حالة هشاشة. وعندما صعد تنظيم داعش عام 2014 وسيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا، اضطرت إدارة أوباما إلى إعادة قوات أمريكية بمهام محدودة شملت تدريب القوات العراقية، ودعم القوات العراقية والكردية، وتنفيذ ضربات جوية ضد التنظيم.
وهكذا لم تنتهِ آثار 11 سبتمبر بانتهاء إدارة بوش أو بانسحاب معظم القوات الأمريكية من العراق، بل تركت «الحرب على الإرهاب» إرثًا تمثل في ضعف دول المنطقة، واختلال التوازنات الإقليمية، وتوسع النفوذ الإيراني، واستمرار الانقسامات الطائفية والوجود الأمريكي بأشكال مختلفة. وقد أظهرت تجربة العراق أن إسقاط الأنظمة بالقوة لا يؤدي بالضرورة إلى بناء دول مستقرة، بل قد يخلق فراغات سياسية وأمنية تستفيد منها القوى الإقليمية والتنظيمات المسلحة، وهو ما جعل تداعيات 11 سبتمبر عاملًا أساسيًا في تشكيل الشرق الأوسط حتى اليوم. وتواصل الولايات المتحدة توظيف إرث «الحرب على الإرهاب» لتبرير تدخلاتها في فنزويلا وإيران، وربما في كوبا أو ساحات أخرى مستقبلًا، وفقًا لمزاج الإدارة الأمريكية وحساباتها السياسية.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>