د. أحمد أويصال - الشرق
بلغ التوتر بين تركيا وإسرائيل في الأيام الأخيرة مستويات غير مسبوقة، إذ سبق لمسؤولين إسرائيليين أن أطلقوا تصريحات اعتبروا فيها تركيا «العدو التالي بعد إيران»، إلا أن التصعيد بلغ مستوى أكثر وضوحًا بعد الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور العسكرية في سوريا الأسبوع الماضي، حين وجّه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رسالة مباشرة إلى أنقرة، واعتبر أي محاولة تركية لإقامة وجود عسكري في سوريا «خطًا أحمر».
من جانبها، رفضت أنقرة هذه الادعاءات، واتهمت نتنياهو بالسعي إلى زيادة الفوضى في المنطقة لتحقيق مكاسب انتخابية، كما أدانت انتهاك إسرائيل للسيادة السورية. وهنا يبرز السؤال: لماذا تشعر إسرائيل بكل هذا القلق من تركيا، رغم كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي؟ في الواقع، يقف وراء هذا القلق أسباب سياسية وعسكرية وجيوسياسية عديدة.
كما فعلت إسرائيل مع العديد من دول المنطقة التي هاجمتها أو هددتها خلال العقود الماضية، فقد صعّدت بعد سقوط نظام الأسد عملياتها العسكرية ضد سوريا بصورة أكثر عدوانية، وسعت إلى تدمير قدرات الجيش السوري ومنع انتقال ما تبقى من إمكاناته العسكرية إلى الإدارة الجديدة. كما تنظر إسرائيل بقلق إلى الهوية الإسلامية لإدارة أحمد الشرع، ولا يقتصر استياؤها على هذه الإدارة فحسب، بل يمتد أيضًا إلى تركيا وعدد من الدول العربية التي منعت عزل سوريا دوليًا، وساعدتها على استعادة حضورها والقبول بها إقليميًا ودوليًا. ويتركز القلق الإسرائيلي بصورة خاصة على الدعم العسكري التركي لسوريا، وعلى الدور الذي تؤديه أنقرة في تعزيز قدراتها الدفاعية وإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية.
شعرت إسرائيل بخيبة أمل كبيرة لرفع الدول الغربية العقوبات الاقتصادية عن سوريا وبقاء سوريا موحدة. وكان تخلي حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية، المدعوم من إسرائيل والولايات المتحدة، عن مخططاتهما الانفصالية وموافقتهما على سوريا موحدة تحت ضغط تركيا، بمثابة خيبة أمل أخرى لإسرائيل. ويمثل حلّ حزب العمال الكردستاني في تركيا الأسبوع الماضي نهاية الحركة الانفصالية ليس فقط في تركيا، بل في سوريا والعراق أيضاً. هذه التطورات، التي تعزز الوحدة الداخلية لتركيا ودول المنطقة، هي عكس ما كانت إسرائيل تطمح إليه تماماً.
بشكل عام، تشعر إسرائيل بانزعاج شديد من المسار المستقل الذي تتبعه تركيا في سياستها الخارجية ومن تعزيزها لصناعتها الدفاعية. فاستقلالية تركيا في السياسة الخارجية تعني ببساطة التحرر من التبعية الاقتصادية والسياسية للغرب. ولهذا السبب، لم يعد بإمكان إسرائيل ممارسة الضغط على تركيا من خلال حلفائها في الغرب. كما أن تعزيز تركيا لصناعتها الدفاعية بشكل مستقل عن حلف الناتو يثير انزعاج إسرائيل. ذلك لأن إسرائيل اعتمدت تاريخياً على تفوقها العسكري الواضح في المنطقة، ومع تعزيز القدرات العسكرية التركية، فإن الميزة التي تتمتع بها إسرائيل آخذة في التلاشي.
إن تركيا لا تكتفي بإنتاج معدات دفاعية عالية الجودة فحسب، بل إنها تشاركها أيضًا مع جيرانها العرب، وهو أمر لا يسعد إسرائيل. ومن المحتمل أن يكون تعزيز قدراتها الدفاعية الإقليمية من خلال «تحالف مكة» قد تسبب في خيبة أمل لإسرائيل، التي كانت تشكو في السابق من التطرف السني. فإسرائيل بقيادة نتنياهو كانت تتوقع من الدول العربية أن توقع «الاتفاقيات الإبراهيمية» وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، دون أن تكترث بالمذابح التي ارتكبتها في غزة ولبنان، لكن هذا الاحتمال أصبح أبعد من أي وقت مضى. وفي هذا السياق، شكّل دعم تركيا لقضية غزة على الصعيد العالمي، وإقناعها لترامب بخطة السلام، مصدر قلق كبير لإسرائيل.
تلفت المنافسة على موارد الطاقة ومناطق الصلاحية البحرية في شرق المتوسط اهتمامًا متزايدًا. فقد غيّرت تركيا موازين المنطقة من خلال اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة الذي أبرمته مع ليبيا للبحر المتوسط، كما أسهم تطوير الحوار والتعاون مع مصر في تقليص الأهمية النسبية لمنتدى غاز شرق المتوسط. وفي المقابل، لا تزال إسرائيل تسعى، عبر تحالفها مع اليونان وقبرص الجنوبية، إلى بناء ترتيبات بديلة للطاقة والأمن في المنطقة، إلا أن هذه الجهود لم تحقق حتى الآن تأثيرًا حاسمًا في موازين شرق المتوسط.
ولهذا السبب، يُنظر إلى الموقف الحازم الذي تتخذه تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط على أنه عامل يحد من شراكات إسرائيل الإقليمية. وبطبيعة الحال، يطلق نتنياهو تهديدات تجاه تركيا في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، لكنه لا يملك الكثير ليفعله. فهو لا يستطيع مهاجمة تركيا، ولا إيقافها. وتركيا، التي تركز على التعاون الإقليمي، ستواصل إزعاج إسرائيل في الوقت الذي تسهم فيه في بناء شرق أوسط يسوده السلام والاستقرار والقوة.