إنهم خائفون

ترك برس

إنهم خائفون

  • منذ 3 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
حسن حسين أوز - ستار - ترجمة و تحرير ترك برس
انظروا فقط إلى ما قاله السياسيون الإسرائيليون عن تركيا خلال العام ونصف العام الأخير، فهذا يكفي.
لقد اعتبرت لجنة ناغل الوجود التركي المتصاعد في سوريا تهديدًا أكبر من إيران. وقال عميحاي شيكلي: «تركيا هي أخطر تهديد لإسرائيل». واستخدم سموتريتش اللغة التهديدية نفسها.
أما نفتالي بينيت فقد خرج وقال:
«تركيا هي إيران الجديدة».
وهذه الهواجس ظهرت أخيرًا في أبو الظهور.
دعونا نتجاوز بينيت. فما يجعل هذا الكلام مهمًا هو أن الخوف نفسه يتردد في السياسة والإعلام والأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
فمن جهة، يعززون التعاون العسكري مع اليونان والقبارصة. ويبنون خطًا في شرق البحر المتوسط في مواجهة تركيا. ومن جهة أخرى، يعتبرون النفوذ التركي في سوريا تهديدًا، ويواصلون قصف البلاد.
نحن نتحدث عن بنية تعيش على هواجس أيديولوجية تكاملية، عديمة الذاكرة، جرى استقدامها من غيتوهات أوروبا.
الصهيونية تفكر انطلاقًا من الخوف.
تبني الجدران. تمد الأسلاك الشائكة. ثم تعتبر كل من تراه من خلف الجدار تهديدًا.
تسوّق خوفها على أنه أمن. وتقدم عنفها على أنه دفاع عن النفس. وتعتبر الأرض التي احتلتها ملكًا لها، والإنسان الذي قتلته تهديدًا لها.
الدولة تُقيم النظام. وتضع القانون. وبالقانون الذي تضعه تُلزم نفسها أيضًا.
أما إسرائيل فهي بنية شبه دولية تحمل ردود أفعال المنظمات الإرهابية.
تضرب. تدمر. ثم تستخرج من بين الأنقاض عدوًا جديدًا.
وكان العمى نفسه موجودًا في إيران أيضًا.
لقد أسروا العملاق الأمريكي، أليس كذلك؟ وهم يظنون أنهم يستطيعون تحويل قوته إلى قوة خاصة بهم.
طائراته من أمريكا.
قنابله من أمريكا.
درعه الدبلوماسي من أمريكا.
ثم نظروا إلى المرآة وظنوا أن الجسد الذي رأوه فيها هو جسدهم.
نتنياهو أحد الوجوه السياسية لهذا الجنون، ولهذا الشر. رجل يتنقل في أروقة المحاكم بسبب اتهامات بالفساد، وصدر بحقه أمر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، وهو في قلب الاتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة، ومع ذلك يغرق المنطقة في النار.
فلماذا تستهدف تركيا؟
لأن عقل الدولة التركي يبني نظامًا.
في اتفاق مكة، تلتقي القوة العسكرية التركية، والردع النووي الباكستاني، والقوة المالية والطاقة السعودية ضمن بنية أمنية واحدة.
و«طريق التنمية» يفتح شريانًا اقتصاديًا جديدًا من البصرة إلى الأناضول وأوروبا.
وفي سوريا، تريد تركيا قيام دولة تنهض بجيشها وحدودها ومؤسساتها وقانونها، بدلًا من منطقة مجزأة يقصفها كل من يريد.
كما أن العالم التركي الممتد من القوقاز إلى تركستان يكتسب تدريجيًا بنية أكثر مؤسسية.
وفي الداخل، يجري واحدًا تلو الآخر القضاء على التنظيمات وكل الأدوات التي استُخدمت ضد تركيا لسنوات طويلة.
كل هذه الأمور تشير إلى الاتجاه نفسه:
النظام.
وهذا هو ما لا تستطيع إسرائيل تحمله.
لأن الجغرافيا المجزأة هي مجال حركتها. فالدول الضعيفة، والشعوب التي تتصارع فيما بينها، والأزمات التي لا تنتهي تمنح إسرائيل القدرة على التدخل حيثما تريد.
وما تفعله تركيا هو عكس ذلك.
إنها تفتح الطرق. وتربط طرق التجارة ببعضها. وتعزز الدول. وتنشئ بنيات أمنية.
التركي يفتح الطريق، والإسرائيلي يحفر الحفرة.
فالخط الذي أُقيم مع اليونانيين والقبارصة، ورد الفعل على الوجود التركي في سوريا، وكلام بينيت: «تركيا هي إيران الجديدة»، كلها تجليات مختلفة للقلق نفسه.
لكن الحساب الأساسي خاطئ.
تركيا ليست إيران التي تتغذى إسرائيل من خلال علاقة تكافلية معها.
كما أن تركيا ليست قوة إقليمية ظهرت حديثًا في هذه الجغرافيا.
التركي هو الذاكرة السياسية لهذه الجغرافيا.
في ذاكرة دمشق وبغداد والقدس؛ وفي ذاكرة البلقان والقوقاز والبحر الأسود، يوجد الترك.
انهارت دول. وتغيرت سلالات حاكمة. ورُسمت خرائط، ومُزقت، وأعيد رسمها.
لكن عقل الدولة التركي بقي.
والشيء الذي يقف الآن في مواجهة إسرائيل ليس تركيا جديدة.
إنه تحوّل الذاكرة السياسية للجغرافيا من جديد إلى قوة.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>