غوكهان إرلي - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس
لم تنتهِ الحرب التي بدأت بالهجوم الأمريكي على إيران في 28 فبراير، رغم مرورها بثلاث محاولات منفصلة لوقف إطلاق النار. فهناك مجموعة من العوامل العسكرية والسياسية والمؤسسية المتداخلة، يكفي كل واحد منها بمفرده لإطالة أمد الحرب.
ومن شأن فهم أسباب تجدد الحرب باستمرار أن يقدم المؤشر الأكثر موثوقية على موعد انتهائها والطريقة التي يمكن أن تنتهي بها.
وهم الردع
دخلت واشنطن وتل أبيب هذه الحرب استنادًا إلى افتراض محدد.
فقد كان الاعتقاد السائد أن «حرب الأيام الاثني عشر» في عام 2025، وما أعقبها من عمليات اغتيال، أضعفت قدرة إيران على الردع بدرجة كبيرة، وأن طهران ستنهار سريعًا أو ستكتفي، في أقصى الحالات، برد رمزي.
لكن ذلك لم يحدث.
استهدفت إيران بالصواريخ والطائرات المسيّرة مواقع الوجود الأمريكي في المنطقة، من قاعدة العديد في قطر إلى مقر الأسطول الخامس في البحرين، ومن الكويت إلى المنشآت الواقعة في شمال العراق. وهكذا نقلت الحرب إلى نطاق جغرافي يتجاوز بكثير الحدود التي تصورتها إسرائيل.
ودفعت دول الخليج فعليًا ثمن استضافتها القواعد الأمريكية على أراضيها، كما تضررت ثقتها بواشنطن نتيجة لذلك.
فبعد أكتوبر 2023، عززت الخسائر الكبيرة التي تكبدتها حركتا حماس وحزب الله أمام إسرائيل، وعجز إيران عن حماية هذه الشبكة، فضلًا عن مقتل قائد فيلق القدس وعلماء فيزياء نووية إيرانيين في اغتيالات سابقة، الاعتقاد في واشنطن بأن طهران لم تعد تمتلك قدرة جدية على الانتقام.
لكن هذا الاعتقاد ثبت خطؤه، وسُجل بوصفه تقديرًا خاطئًا باهظ التكلفة.
فكلما اتسع النطاق الجغرافي للحرب، ازدادت صعوبة إدارتها، ولم تعد المسألة متعلقة بكيفية إيقاف إيران وحدها، بل تحولت إلى أزمة أمنية إقليمية شاملة.
المأزق المتبادل
تُعرف هذه الحالة في أدبيات تسوية النزاعات باسم «المأزق المؤلم للطرفين».
ففي الحرب الأمريكية الإيرانية، لا يزال الطرفان يحتفظان بالقدرة على إلحاق أضرار جسيمة أحدهما بالآخر، ولا يستطيع أي منهما منع هذه الأضرار بصورة كاملة.
ولذلك، ورغم مسارات وقف إطلاق النار، لم يصبح الجلوس إلى طاولة المفاوضات ضرورة حتمية بالنسبة إلى أي منهما.
وتقدم المواقع الاستراتيجية، مثل جزيرة خرج، أوضح مثال على ذلك.
فجزء كبير جدًا من صادرات النفط الإيرانية يمر عبر هذه النقطة وحدها. وتمتلك الولايات المتحدة القدرة على تعطيل الجزيرة بصورة دائمة، لكنها لم تختر ذلك استراتيجيًا حتى الآن.
والسبب بسيط: بقاء إيران قادرة على الوقوف على قدميها بعد انتهاء الحرب يعتمد على إيراداتها النفطية. أي إن الولايات المتحدة تقيد خياراتها العسكرية وفقًا للأهداف التي تريد تحقيقها في مرحلة ما بعد الحرب.
وينطبق الحساب نفسه على محطات تحلية مياه البحر التي توفر جزءًا كبيرًا من مياه الشرب في قطر.
تستطيع إيران تعطيل هذه المنشآت بالكامل، لكنها لم تلجأ إلى ذلك حتى الآن، لأن خطوة كهذه قد تخل بالتوازن الإقليمي بصورة يتعذر إصلاحها.
يحتفظ الطرفان بأشد أوراقهما تدميرًا على الطاولة من دون استخدامها. وهذا تحديدًا ما يجعل استمرار الحرب ممكنًا من دون إنهائها، ويدفعها إلى التجدد مرارًا.
دوافع إيران
على الجانب الإيراني، يرتبط الأمر ببقاء النظام نفسه.
فقد بدأ المرشد الديني الجديد، مجتبى خامنئي، مهمته بعدما فقد معظم أفراد عائلته في الهجمات الأمريكية.
ومن شأن خسارة كهذه أن تغذي الإصرار على المقاومة، لأن التراجع لم يعد هنا مجرد مسألة حسابات استراتيجية، بل تحول أيضًا إلى قضية شخصية.
والوضع مشابه بالنسبة إلى الحرس الثوري.
ففقدان السلطة يعني بالنسبة إلى قياداته تعرض أمنهم الشخصي وممتلكاتهم لخطر مباشر. ولا شك في أن القتال يحمل مخاطر، لكن تكلفة الاستسلام تبدو أعلى بكثير، لعدم وجود خطة بديلة حقيقية.
ولهذا، لم تظهر حتى الآن في طهران نقطة تحول قادرة على فرض خيار التفاوض.
سلسلة القيادة
هناك تفسير بسيط لانهيار اتفاقات وقف إطلاق النار بهذه السرعة: المشكلة تكمن في البنية المؤسسية الإيرانية.
فالاتفاقات الثلاثة التي وُقعت في أبريل ويونيو ويوليو لم يدم أي منها طويلًا.
يسيطر الحرس الثوري بصورة مباشرة على القدرات الصاروخية الإيرانية وأدوات الضغط العسكري في مضيق هرمز، ويتحرك تحت سلطة المرشد الديني.
ولذلك، لا تصبح اتفاقات وقف إطلاق النار ملزمة بصورة تلقائية لمجرد توقيعها من جانب وفد التفاوض المدني.
فحتى لو وقع الممثل الرسمي لأحد الأطراف على الاتفاق، لن يكون لوقف إطلاق النار المكتوب على الورق أثر ميداني ما لم يعترف به الجناح المسلح التابع للطرف نفسه.
والمسافة بين التوقيع الذي وضعه ترامب في فرساي والواقع في شوارع طهران تفسر وحدها أسباب اشتعال الحرب من جديد مرات عدة.
الرافعة الاقتصادية
تمتلك الولايات المتحدة أداتين أساسيتين: العقوبات الاقتصادية والضغط العسكري. لكن هاتين الأداتين كثيرًا ما تعطل إحداهما مفعول الأخرى.
ففي إطار تفاهم يونيو، مُنحت إيران إعفاءً لمدة ستين يومًا يسمح لها ببيع النفط. لكن هذا الإعفاء أُلغي في بداية يوليو، وعادت العقوبات إلى العمل بكامل طاقتها.
وبما أن إيرادات النفط والبتروكيماويات تمثل شريان الحياة للاقتصاد الإيراني، يمكن القول إن العقوبات تشكل أداة ضغط أكثر فاعلية من الغارات الجوية.
لكن استخدام العقوبات والقصف بصورة متزامنة ومتواصلة لا يعني بالنسبة إلى طهران سوى تراكم العقوبات عليها.
فكلما ازداد الضغط، تقلص هامش المرونة المتاح لإيران على المدى القصير، وتعزز إصرارها على المقاومة لهذا السبب تحديدًا.
وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قرارًا يدين الهجمات الانتقامية الإيرانية على الدول العربية في الخليج، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في الشرعية الدولية لطهران.
لكن العزلة الدبلوماسية لم تنجح في تقليص الإصرار العسكري على الأرض.
كما نقلت الاضطرابات التي أصابت قطاعات الغاز الطبيعي والأسمدة والطيران والسياحة تكلفة الحرب إلى سلاسل التوريد العالمية، وجعلت الضغوط الدافعة نحو التفاوض متعددة الأبعاد.
وبعبارة أخرى، لا تقف طهران وحدها في مواجهة التكاليف، إذ يدفع بقية العالم بدوره جزءًا من فاتورة هذه الحرب.
تكلفة ترامب
أصبحت فاتورة الحرب بالنسبة إلى الجانب الأمريكي واضحة بدورها.
فبحلول منتصف يونيو، تجاوزت تكلفة الحرب على دافعي الضرائب 113 مليار دولار، وارتفعت أسعار الوقود عند المضخات بأكثر من 20 في المئة، كما تحولت خطوط الإمداد الممتدة إلى الطرف الآخر من العالم إلى عبء مستقل بذاته.
تدرك إدارة ترامب ذلك، لكن الانسحاب من المشهد يعني ترك إسرائيل وحدها، وهو خيار لا يبدو واقعيًا بالنسبة إلى واشنطن.
ويبدو أن خطأ الحسابات الذي ارتكبه ليندون جونسون وروبرت ماكنمارا في فيتنام، ودونالد رامسفيلد في العراق، يتكرر هنا أيضًا.
فقد بلغت التكلفة النهائية لغزو العراق عام 2003 نحو ثلاثة تريليونات دولار. واقتراب هذه الحرب من مثل هذه الأرقام خلال أشهرها الخمسة الأولى لا يمثل مؤشرًا مطمئنًا.
قد يكون بدء الحرب قرارًا أحادي الجانب، لكن إنهاءها في الوقت والشكل المرغوبين يتطلب موافقة عدد أكبر بكثير من الأطراف.
وفي سياق الحرب الأمريكية الإيرانية، يبدو أن السيطرة على مسار الأحداث قد فُقدت منذ وقت طويل.
متى تنتهي الحرب؟
لن تنتهي الحرب على المدى القصير بعملية جوية جديدة أو بتوقيع وثيقة أخرى لوقف إطلاق النار.
لقد أثبتت الأشهر الخمسة الماضية بما يكفي أن ذلك غير ممكن.
ويبدو أن النهاية الحقيقية ترتبط بتحقق أحد ثلاثة سيناريوهات:
إما أن تتفكك فعليًا وحدة القيادة داخل الحرس الثوري، وتتمكن السلطة المركزية من تعويض ذلك.
وإما أن تتعرض البنية النفطية والعسكرية الإيرانية لدمار يستحيل إصلاحه، وهو خيار تجنبته الولايات المتحدة عمدًا حتى الآن، لأنها تحتاج إلى هذه البنية أيضًا من أجل النظام الذي تريد إقامته بعد الحرب.
وإما أن يُستنزف الطرفان فعليًا تحت وطأة الضغوط السياسية الداخلية، ويصبحا مستعدين للاعتراف بذلك.
ولا يمثل أي من هذه السيناريوهات خيارًا سهلًا.
لقد أظهرت تجربتا العراق وليبيا مدى استدامة الفراغ الذي ينشأ عند انهيار السلطة المركزية، ومدى ارتفاع تكلفته.
وحتى في حال تفكك الحرس الثوري، قد تظهر جماعات مسلحة جديدة لملء الفراغ.
ولا يبدو أن أيًا من هذه الظروف قد نضج في الوقت الراهن.
ولهذا، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الأشهر المقبلة هو استمرار الحرب داخل دائرة من اتفاقات وقف إطلاق النار القصيرة، تعقبها هجمات جديدة.
كان بدء الحرب بالنسبة إلى واشنطن خيارًا سياسيًا. أما إنهاؤها، فقد تحول إلى مسار يتحرك وفق منطقه الخاص، ولم يعد أي طرف قادرًا على التحكم فيه بصورة كاملة.