أنقرة ترسم مستقبل "الناتو".. الاقتصاد قبل الأمن

ترك برس

أنقرة ترسم مستقبل "الناتو".. الاقتصاد قبل الأمن

  • منذ 1 يوم
  • العراق في العالم
حجم الخط:
محمد أوزكان - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس
بينما يتركز اهتمام العالم كله على قمة قادة الناتو التي ستُعقد في أنقرة يومي 7 و8 تموز/يوليو 2026، على من يريد فهم مستقبل الناتو أن يتوقف عن النظر إلى روسيا أو الصين أو أوكرانيا. فالقصة الحقيقية تُكتب في مكان آخر. كان سبب وجود الناتو، الذي تأسس عام 1949، واضحًا: الاتحاد السوفيتي. كان هناك تهديد، وكان العدو واضحًا، وكان الهدف محددًا. لم يكن التحالف بحاجة إلى إنتاج شرعية؛ فوجود موسكو كان كافيًا لتفسير وجود الناتو.
طوال الحرب الباردة لم يحتج الناتو إلى أن يشرح نفسه لأحد. بدأت المشكلة الحقيقية عندما انهار السوفييت. بعد عام 1991، واجه الناتو لأول مرة في تاريخه السؤال التالي: "لماذا نحن موجودون الآن؟" لم تكن هذه أزمة استراتيجية فحسب، بل أزمة وجودية أيضًا. لأن الناتو لم يكن ناديًا للقيم، بل تحالفًا عسكريًا أُسس في مواجهة تهديد محدد. وعندما اختفى التهديد، أصبح معنى التحالف نفسه موضع نقاش. لم يؤد تفكك الاتحاد السوفيتي إلى تغيير ميزان القوى في أوروبا فقط؛ بل جعل المنطق الأساسي الذي بُني عليه الناتو محل تساؤل أيضًا.
خلال الثلاثين عامًا التالية، ظل الناتو في الحقيقة يبحث باستمرار عن عدو جديد. أولًا جاءت الصراعات العرقية والتدخلات الإنسانية. فقد منحت أزمات البلقان التحالف مجالًا جديدًا للمهمة. ثم جاء الإرهاب. وبعد 11 أيلول/سبتمبر تغيّر جدول أعمال الأمن العالمي بالكامل. ثم برزت "الأنظمة السلطوية"، و"التهديدات الهجينة"، و"الهجمات السيبرانية"، وأخيرًا روسيا والصين. لكن أيًا من هذه التهديدات لم يستطع أداء الدور الذي أداه الاتحاد السوفيتي. لأن التهديد السوفيتي لم يكن عسكريًا فقط، بل كان خصمًا أيديولوجيًا ومنهجيًا. كان يوحّد أعضاء الناتو حول خوف مشترك وهدف مشترك. أما التهديدات التي تُعرّف اليوم فهي أكثر تجزؤًا وتعقيدًا، وتُدرك بشكل مختلف من بلد إلى آخر.
منحت هجمات 11 أيلول/سبتمبر الناتو جرعة حياة قصيرة المدى. ذُهب إلى أفغانستان خلف أمريكا. ثم جاء احتلال العراق. لكن العواصم الأوروبية أدركت بعد وقت قصير ما يلي: إن العمليات التي كانت تُدار تحت اسم مكافحة الإرهاب كانت تعكس في الحقيقة خيارات واشنطن الجيوسياسية. فشلت أفغانستان والعراق وليبيا. وربما تكون هذه العمليات قد أظهرت القدرة العسكرية للناتو، لكنها لم تعزز شرعيته السياسية. بل على العكس، أطلقت نقاشات جديدة في كثير من الدول الأوروبية حول أهداف التحالف وحدوده. ونتيجة لذلك بدأت مرحلة جديدة لم يكن فيها الناتو هو موضع المساءلة، بل القيادة الأمريكية.
لهذا لا ينبغي المبالغة في صورة الوحدة التي خلقتها حرب أوكرانيا التي بدأت في 24 شباط/فبراير 2022. نعم، شعرت أوروبا مجددًا بالتهديد الروسي، وارتفعت نفقات الدفاع، واستعاد الناتو أهميته. لكن الوضع هذه المرة كان مختلفًا عن الحرب الباردة. لم ترغب أي دولة أوروبية في الدخول في حرب مباشرة مع روسيا. كما لم ترسل أي دولة من دول الناتو جنودها إلى الجبهة من أجل أوكرانيا. تحركت دول كثيرة وفق مصالحها الخاصة. اتبعت تركيا سياسة التوازن. وسارت المجر في خط مختلف. وحددت إسبانيا وإيطاليا أولويات مختلفة. باختصار، كان مظهر التحالف هو الوحدة، أما الحقيقة فكانت المصالح الوطنية.
من البحث عن عدو إلى منظومة اقتصادية: المنطق الجديد للناتو
هنا بالضبط يبدأ التحول الكبير الثاني الذي يواجهه الناتو اليوم. لأن المشكلة لم تعد إيجاد عدو جديد. المشكلة هي منح الناتو منطقًا اقتصاديًا جديدًا. في القمم التي عُقدت خلال السنوات الأخيرة، جرى تعريف روسيا والصين باستمرار بوصفهما تهديدًا. لكن في الحقيقة، لا موسكو ولا بكين استطاعتا إنتاج الحماسة السياسية الكافية لإبقاء التحالف قائمًا على المدى الطويل. في المقابل، تستطيع الصناعات الدفاعية أن تفعل ذلك. وهنا تكمن الأهمية التاريخية لقمة أنقرة. سيقرأ كثير من المعلقين القمة من منظور أمني. لكن المسألة الحقيقية هي الاقتصاد. إن هدف تخصيص الدول 5% من ناتجها القومي لنفقات الدفاع هو قرار اقتصادي بقدر ما هو عسكري. هذا القرار يعني طلبات جديدة بمئات المليارات من الدولارات. ويعني مصانع جديدة واستثمارات تكنولوجية جديدة وسلاسل توريد جديدة ومجالات ربح جديدة. وفي الوقت نفسه، يعني تكاملًا صناعيًا أكثر إحكامًا بين دول الناتو. إن تشكل الإنتاج الدفاعي حول معايير مشتركة يعني إقامة شراكات جديدة بين الشركات وتوسيع القدرة الإنتاجية. باختصار، يُعاد تعريف الناتو لأول مرة من خلال منظومة اقتصادية مشتركة أكثر من تهديد مشترك.
لذلك، على من يريد فهم مستقبل الناتو أن ينظر إلى المصانع لا إلى الدبابات. وأن ينظر إلى خطوط الإنتاج لا إلى الصواريخ. لأن ما يطيل عمر التحالفات ليس المخاوف الأمنية وحدها، بل شبكات المصالح الاقتصادية. فعلى مر التاريخ، ظلت كثير من البنى الدولية قائمة بقدر ما استطاعت إنتاج منفعة اقتصادية مشتركة. ويبدو أن الناتو اليوم يقف على عتبة تحول مشابه. إن البنية التي تظهر اليوم تكتسب تدريجيًا مظهر "تحالف اقتصاد دفاعي". وقد تكون تركيا واحدة من أكبر الرابحين من هذا التحول.
من مخفر حدودي إلى منتج للتكنولوجيا: تركيا في المعادلة الجديدة
ظلت تركيا في تاريخ الناتو طويلًا دولة توفر الأمن لكنها بقيت خارج آليات القرار التكنولوجي. كان لديها جيش كبير، لكن صناعتها الدفاعية كانت محدودة. كانت لها أهمية استراتيجية، لكن وزنها الاقتصادي كان منخفضًا. هذه الصورة تتغير الآن. باتت شركات الدفاع التركية مثل بايكار وتوساش وروكيتسان وأسلسان وغيرها جزءًا من القدرة الإنتاجية ليس لتركيا فقط، بل للناتو أيضًا. في السنوات الأخيرة، زادت الطائرات المسيّرة وأنظمة الحرب الإلكترونية وتقنيات الصواريخ ومشاريع الإنتاج المحلي من حضور تركيا في مجال الدفاع بدرجة كبيرة. وهذا الوضع ينقل تركيا إلى موقع لا تكون فيه مستهلكًا فقط، بل فاعلًا يطور التكنولوجيا ويصدرها أيضًا.
للمرة الأولى، ترتقي تركيا داخل التحالف إلى موقع إحدى الدول التي لا تُحمى فقط، بل تنتج قيمة أيضًا. والأهم من ذلك أنها تظهر لاعبًا قويًا في أحد القطاعات الواقعة في قلب التحول الجديد للناتو. لذلك فإن قمة أنقرة تاريخية ليس فقط من زاوية مستقبل الناتو، بل أيضًا من زاوية موقع تركيا في البنية الأمنية الغربية. في مرحلة الحرب الباردة، كانت تركيا مخفر الناتو الحدودي. وبعد الحرب الباردة، كانت جندي الناتو الوفي. أما الآن، فهي تتقدم في طريقها لتصبح واحدة من المنتجين المهمين في اقتصاد الدفاع التابع للناتو. قد يتذكر المؤرخون بعد سنوات أنقرة 2026 لسبب مختلف. ربما ستُسجل هذه القمة بوصفها اللحظة التي بدأ فيها الناتو بإعادة تنظيم نفسه لا ضد روسيا، بل من أجل مستقبله الاقتصادي.
لأن الحقيقة هي الآتية: الناتو لا يحتاج اليوم إلى عدو جديد. الناتو يحتاج إلى قصة اقتصادية جديدة. والقصة التي ستُكتب في أنقرة يومي 7 و8 تموز/يوليو 2026 هي بالضبط هذه.


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>