في مثل هذا اليوم عام 2016، شهدت منطقة الكرادة التجارية وسط العاصمة بغداد واحدًا من أعنف الهجمات الإرهابية في تاريخ العراق الحديث، حين انفجرت سيارة مفخخة وسط منطقة مكتظة بالمدنيين والعائلات والمتسوقين خلال الساعات الأخيرة من شهر رمضان، ما أسفر عن سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، وأحدث دمارًا واسعًا وحرائق التهمت المحال والمباني والمجمعات التجارية.
ووفقًا للبيانات الحكومية العراقية حينها، أسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 324 شخصًا وإصابة المئات، في واحدة من أكثر المجازر دموية التي شهدتها بغداد، فيما أعلن تنظيم "داعش" الإرهابي (المحظور في روسيا ودول عدة) مسؤوليته عن التفجير الذي هزّ العراق والعالم.
بصوت يختلط فيه الألم بالذكر، يقول إبراهيم سليم، والد أحد ضحايا التفجير، لـ"سوتنيك": "استشهد ابني محمد في الحادث، وكانت والدته تشعر بألم وقلق شديدين
منذ لحظة وقوع الانفجار، حتى قبل أن نعلم باستشهاده".
يصمت سليم قليلًا وهو يكابد مرارة استرجاع شريط ذلك اليوم، ويضيف: "وقع تفجير الكرادة في إحدى ليالي أواخر شهر رمضان، حيث قضى معظم الضحايا داخل مجمع الليث التجاري نتيجة الحريق والاختناق، أكثر من تأثير انفجار السيارة المفخخة".
وأشار سليم، إلى أن "المجمع كان يضم محالًا لبيع الملابس والعطور ومواد أخرى سريعة الاشتعال، ما أدى إلى انتشار النيران بسرعة ومحاصرة الموجودين داخله".
"هول الكارثة جعلها حدثاً لا يمكن أن ينساه العراقيون"، بهذه العبارة تختصر أم محمد التي كانت حاضرة بالقرب من موقع التفجير، المأساة التي شهدتها بغداد في ذلك اليوم الذي لن يُنسى بالتقادم.
وقالت في حديث لـ"سبوتنيك": "فاجعة الكرادة لا تزال راسخة في ذاكرة العراقيين، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على وقوعها، فهي من أكبر المآسي الإنسانية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية".
من جهته، روى حازم محمود، والد الشاب عمار الذي قضى في التفجير، عن الألم الذي عاناه وجميع أهالي الضحايا، إذ يقول لـ"سبوتنيك": "غير أننا فقدنا أولادنا، لم نستطع التعرف عليهم بسبب تفحم الجثامين".
ويضيف محمود، الذي يسكن في منطقة الكرادة قرب موقع الانفجار، إن "تسعة من أقاربه لقوا مصرعهم في التفجير، في ما فقدت عائلة أخرى من أقاربه أربعة أفراد من أصل خمسة أشخاص".
ولفت إلى أن "التعرف على هويات الضحايا استدعى إجراء فحوصات الحمض النووي (DNA)، وفي بعض الحالات جرى اللجوء إلى أخذ عينات من نخاع العظم، بسبب تعذر التعرف على الجثامين نتيجة شدة الحريق".
وبعد أكثر من خمس سنوات على الجريمة، أعلن رئيس الوزراء العراقي الأسبق، مصطفى الكاظمي، في عام 2021، إلقاء القبض على
المتهم الرئيس بالوقوف وراء تفجير الكرادة، غزوان الزوبعي، الملقب بـ"أبو عبيدة بغداد"، مؤكدًا أن اعتقاله جاء عقب عملية استخبارية معقدة نُفذت خارج العراق.
ولم يكن استهداف الكرادة حدثا معزولا، إذ ظلت المنطقة لسنوات هدفا متكررا للجماعات الإرهابية، نظرا إلى طبيعتها التجارية وكثافتها السكانية، حيث تبقى أسواقها وشوارعها مكتظة بالمتسوقين حتى ساعات متأخرة من الليل، ما جعلها هدفا يسعى منفذو الهجمات من خلاله إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.
ورغم مرور الأعوام، ما تزال صور الدمار، وصرخات ذوي الضحايا، ورائحة الحرائق التي التهمت الأرواح والمحال التجارية، شاهدة على مأساة لم تغادر الذاكرة، لتبقى الكرادة رمزا لفاجعة إنسانية هزّت العراق وأثارت صدمة واسعة داخل البلاد وخارجها.
وتقع الكرادة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، وتُعد من أبرز أحياء بغداد وأكثرها حيوية، إذ تضم مؤسسات حكومية وأمنية ومقارًا لأحزاب سياسية، فضلا عن كونها مركزا تجاريا رئيسيا
يقصده المتسوقون من مختلف المحافظات العراقية.