نور أوزكان أرباي - يني شفق (14/05/2026) - ترجمة وتحرير ترك برس
إن العبارة التي قالها الرئيس الأمريكي السادس ووزير الخارجية السابق جون كوينسي آدامز في خطاب يوم الاستقلال عام 1821: "أمريكا لا تذهب إلى الخارج بحثًا عن الوحوش لتدميرها"، تُقتبس كثيرًا في أوساط السياسة الخارجية الأمريكية. وكان آدامز يحذر بهذه الكلمات من أن الولايات المتحدة قد تفقد طابعها الجمهوري وقوتها إذا واصلت التدخل في الخارج باستمرار. وكان يُعتقد في البداية أن هذا التوجه، الذي يمكن اعتباره أساسًا للعزلة الجمهورية و/أو البراغماتية الواقعية، سيجد صداه لدى الرئيس الأمريكي السابع والأربعين دونالد ترامب.
لكن اليوم، فإن جميع الأوساط في الولايات المتحدة؛ من الصقور، والمحافظين، والليبراليين، والواقعيين، يتفقون مع آدامز ضد ترامب. لأنهم يؤمنون بأن أجراس الإنذار تدق تقريبًا في الوقت نفسه، باسم مصالح الولايات المتحدة وقدراتها، ضمن سياسة القوى الكبرى. وكان آخر من تبنى هذا الرأي هو روبرت كاغان، أحد المهندسين الفكريين لحربي العراق وأفغانستان بعد 11 سبتمبر، ومستشار نائب الرئيس ديك تشيني، والداعم الكبير لإسرائيل، وأحد أبرز المحافظين الجدد (التيار المؤيد للتدخلات الخارجية القوية والحروب). وقد أحدث مقال كاغان، الذي صرح فيه بوضوح في مجلة أتلانتيك مونثلي بأن الولايات المتحدة "في وضع كش مات" في إيران، وأنها خسرت مع إسرائيل، صدمةً في أوساط العلاقات الدولية والنخب الفكرية الأمريكية، حتى إن مقاله يمكن اعتباره من قبيل "الصديق يقول الحقيقة المُرّة". أما سبب الصدمة فلم يكن في التشخيص نفسه، بل في هوية من قام بهذا التشخيص بالطبع. بل إن كاغان ذهب في مقاله إلى القول إنه لا توجد طريقة واقعية للعودة إلى الوضع القائم قبل الحرب. وأضاف أنه حتى لو توقفت الحرب، فإن هيبة أمريكا وقدرتها على الردع قد تضررت على المدى الطويل، وأن الصين وروسيا ستحولان هذا التراجع في النفوذ الأمريكي إلى مكاسب استراتيجية. كما أشار إلى أن الحرب الإيرانية تُعد نقطة تحول تاريخية لأنها كشفت حدود القوة العسكرية والسياسية الأمريكية. وقال إن الولايات المتحدة قد لا تبقى بعد الآن القوة العظمى غير القابلة للنقاش القادرة على فرض الردع في أي مكان تريده، وإن التأثير النفسي لذلك أكبر من تأثيره العسكري.
وقد يكون كاغان كتب هذا المقال بوصفه صوتًا "من الداخل" من أجل دفع ترامب، الذي يتعرض لانتقادات بأنه يتخذ قراراته السياسية بناءً على غرائزه فقط، إلى الإصغاء إلى الخطر القادم. إذ يُتداول في واشنطن أن ترامب سأل البنتاغون ودائرته المقربة عمّا إذا كانت هناك خيارات أخرى متبقية لإنهاء الحرب الإيرانية. كما أن الرسائل الإيجابية جدًا التي وجهها ترامب إلى بكين قبل انطلاقه في زيارته الحالية إلى الصين، أكبر منافس عسكري وتجاري للولايات المتحدة، تعكس هذه الحالة النفسية.
ورغم أنه من المتوقع أن يطلب ترامب من الرئيس الصيني شي الضغط على إيران، فإن الارتباط الصيني-الإيراني، سواء على المستوى الجيو-اقتصادي أو في مجال أمن الطاقة، وما يخلقه من قيود واعتماد متبادل، يُظهر أن هذا الطلب لن يكون من السهل تلبيته. ورغم أن الصين تواجه، خاصة في منطقة آسيا-المحيط الهادئ المتمركزة حول تايوان، الأخطار التي تفرضها القوة العسكرية الأمريكية، فإنه من الممكن التنبؤ بأن الصين ستدفع بحدود ترامب إلى أقصى مدى، وهو العالق في أزمات أوكرانيا وغزة وإيران. لكن من الواضح أيضًا أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين لن يتحول على المدى القصير من "مودوس فيفيندي/تفاهم مؤقت" إلى صراع فعلي. فالصين، رغم محاولتها تعزيز التوازن عبر زيادة تحصيناتها في المنطقة، ما تزال تسعى إلى الوصول إلى القدرات السياسية والعسكرية واللوجستية الأمريكية. ومن ناحية أخرى، عندما تؤخذ في الاعتبار الأسلحة والصواريخ وأنظمة الدفاع الصاروخي التي قدمتها الولايات المتحدة لإسرائيل وأوكرانيا، والمخزونات المتناقصة من الذخائر التي استهلكتها في الحرب الإيرانية، فإن بكين ترى أن مستوى الردع العسكري والتهديد لدى ترامب قد تراجع نسبيًا. وبالفعل، كان رئيس هيئة الأركان الأمريكية دان كين قد صرح بوضوح، حتى قبل اندلاع الحرب الإيرانية، بأن الحرب قد تعرض مخزون الولايات المتحدة من الأسلحة في آسيا-المحيط الهادئ للخطر.
ومن جهة أخرى، لا شك أن توازن القوة الاقتصادية الذي حافظت عليه الولايات المتحدة مع الصين منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي عبر سياسات الانخراط الواعي، تطور مع مرور السنوات ضد مصلحة الولايات المتحدة. أما من حيث القوة السكانية، فتمتلك الصين أفضلية هائلة. ولهذا السبب تحديدًا، فإن أسباب قلق ممثلي الجناح الصقري المؤيد للحروب، مثل كاغان، كثيرة جدًا، في ظل الوضع الذي تجد الولايات المتحدة نفسها فيه، وهي تخسر تدريجيًا مزاياها العسكرية والسياسية النسبية المتبقية أمام الصين بسبب الحرب الإيرانية. فالولايات المتحدة، بدلًا من تعزيز قوتها في آسيا-المحيط الهادئ، دخلت حربًا طويلة ضد إيران في الشرق الأوسط بات واضحًا أنها لن تتمكن من الانتصار فيها، كما أنها تمر أيضًا بأكثر مراحل علاقات التحالف والهياكل الحليفة هشاشة خلال الثمانين عامًا الأخيرة. وبالطبع، ليس ترامب وحده مسؤولًا عن خسارة واشنطن لمواقعها في تنافس القوى الكبرى بعد أن دفعت روسيا أكثر نحو الصين في الفترة الأخيرة، لكن من الواضح أيضًا أنه الطرف الذي سرّع هذه العملية.
لقد تمكنت الولايات المتحدة حتى اليوم من احتواء النتائج السياسية والاقتصادية التي خلّفتها حروب مثل فيتنام وأفغانستان والعراق داخل حدودها. لكن يبدو أنها لن تتمكن بسهولة من التخلص من آثار الحرب الإيرانية، كما أن هذه الآثار ستدفع نحو تحولات وتغييرات دائمة ضد مصلحة الولايات المتحدة في سياسة القوى الكبرى. أما أن يبدأ الجناح الصقري نفسه في التعبير عن هذا التشخيص، فذلك مهم لفهم مدى جدية أجراس الإنذار.