أسئلة مجنونة لعالم أصيب بالجنون

ترك برس

أسئلة مجنونة لعالم أصيب بالجنون

  • منذ 1 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
تنشغل المجتمعات بمتابعة التطورات الراهنة للحرب التي أتمّت شهرها الأول. ويجب أن أعبّر عن أنني أرى ذلك أمرًا طبيعيًا. من الصعب للغاية التنبؤ إلى أين ستخمد هذه الحرب. إن الجهود الدبلوماسية لوقفها؛ كدخول باكستان وتركيا على الخط مثلًا، رغم كونها خطوة حسنة النية ومتحضّرة للغاية، لم تعد تمتلك القدرة على تشكيل مسار العملية. فقد كانت الطاولة قد أُنشئت بالفعل. والذي قلبها، بل وفي مرحلة كانت قد وصلت فيها إلى طور إيجابي، كانت الولايات المتحدة. ويعلم الجميع أن الشرط الأول لزيادة تأثير الدبلوماسية هو أن تبلغ نوايا الأطراف مستوى مرضيًا متبادلًا. إن إسقاط الطاولة التي أُنشئت بوساطة عُمان لم يكن بسبب نفاد إمكانيات الدبلوماسية، بل لأن الولايات المتحدة، أحد الأطراف، أفسدت نيتها بخضوعها لضغوط إسرائيل. وهذا جعل إعادة تشكيلها أمرًا مستحيلًا. إيران لم تعد تثق بالولايات المتحدة. وأي طرف كان سيفعل الشيء نفسه. وقد أعلنت إيران بنبرة حادة أنها لن تجلس إلى الطاولة ما لم تحصل على ضمانات لمطالبها من جانب واحد. وهذا يعني أن الطاولة التي ستُنشأ بعد الآن لن تكون طاولة تفاوض، بل طاولة يقبل فيها الطرف المهزوم شروط الطرف المنتصر. إيران تقول: "إما كل شيء أو لا شيء".
عندما ننظر إلى مسار الحرب، يتضح بشكل جلي أن الطرف المحاصر هو الولايات المتحدة-إسرائيل. إنها حرب غير متكافئة. وإذا لم تُستنزف الموارد والقدرات، فمن الواضح أن هذا النوع من الحروب لن يكسبه الطرف المعتدي بل الطرف الذي في موقع الدفاع؛ ليس الطرف القوي على الورق بل الطرف الذي يبدو ضعيفًا. وأسباب ذلك معروفة. فالجيش الأمريكي يقاتل بعيدًا جدًا عن قاعدته الأساسية. ومن الواضح منذ البداية أن ذلك سيؤدي مع مرور الوقت إلى عبء لوجستي ومالي كبير جدًا. ولهذا، عندما اندلعت الحرب، كتبت وذكرت في مقابلات أنه إذا تمكنت إيران من تجاوز الأسبوعين، فإن مؤشر النصر سينقلب لصالحها. وقد استندت في هذا التقييم إلى معارف موثوقين مطلعين على الشؤون العسكرية. وبالفعل، في الحرب التي أتمّت شهرها الأول، بدأت الولايات المتحدة تعاني من مشاكل لوجستية خطيرة جدًا. كما أن الهجمات الأمريكية تفقد انضباطها تدريجيًا. ولا نرى أي مؤشر يدل على تراجع قدرة إيران. وعلى عكس الولايات المتحدة، فإن إيران تبدو مستعدة بشكل بنيوي وتجهيزي جيد جدًا لهذه الحرب التي يُرجّح أن تستمر طويلًا.
كما كتبت سابقًا، فإن القوة التي لا تُهزم هي قوة "من لا يملكون ما يخسرونه". إن النظام الإيراني الذي عاش لسنوات تحت العقوبات وصارع أزمات وجودية، يثبت أنه كان مستعدًا للموجة الأخيرة التي قد تقضي عليه. لقد طوّروا طائرات ومسيّرات وصواريخ خفيفة الكلفة وسهلة الإنتاج وسريعة التصنيع لكنها عالية القدرة التدميرية. ونحن نتابع كيف تتخبّط الجيوش الثقيلة للولايات المتحدة وإسرائيل أمامها، وكيف تجد نفسها عاجزة في كثير من الأحيان. في المقابل، وعلى عكس التقديرات غير المحسوبة، نشهد أن العزم والإصرار على القتال، وهو العامل الأهم في كسب الحرب، بلغ ذروته في إيران. وعلى الرغم من الدمار الكبير الذي تعرّضت له، فإن الشعب الإيراني متماسك حول النظام. هذه الحرب التي بدأتها نخب سياسية أمريكية وإسرائيلية تعيش حالة من الجنون كانت تهدف، كما قيل، إلى إسقاط نظام الملالي القمعي. لكن النتيجة كانت عكسية. فلم تفعل سوى إعادة إحياء نظام تراجعت شرعيته لسنوات، واكتسب كراهية شريحة معتبرة من شعبه، ومنحته دعمًا شعبيًا قويًا. في حين أنه لو لم يحدث ذلك واكتُفي بالعقوبات، لكان هذا النظام سيسقط عاجلًا أم آجلًا...
وعند النظر إلى مسار الحرب، من الواضح جدًا أنها تتصاعد. فالولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان لم تحققا ما تريدان وأصابتهما حالة من الجنون، ترفعان مستوى التصعيد. وهما تستعدان لهجوم أشد. وهذه ليست خطوات عقلانية. ومن الواضح منذ الآن أنهما سترتكبان أخطاء فوق أخطاء. لقد اصطدمت الأطماع التوسعية لإسرائيل في لبنان بمقاومة غير متوقعة من حزب الله اللبناني. ويبدو أن حزب الله، الذي كان محاصرًا ومطاردًا وتعرّض لنزيف شديد بخسارة قياداته، أعاد تنظيم نفسه، واستعد لهذه الحرب الأخيرة التي أصبحت بالنسبة له مسألة وجود. كما أن الوجود الأمريكي في العراق أصبح غير قابل للاستمرار تحت ضغط عناصر الحشد الشعبي. وإذا أخطأت الولايات المتحدة وحاولت القيام بعملية برية، فسيكون ذلك قاتلًا بالنسبة لها. ومن جهة أخرى، أعلن الحوثيون، الذين ظلوا صامتين حتى الآن، انضمامهم إلى الحرب. وبدأت إيران بتحريك بنياتها النائمة في الشرق الأوسط تدريجيًا. وفي المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة لم يعد لديها ما تفعله. وبعد أوروبا التي تنأى بنفسها، فإن "حلفاءها المخلصين" في المنطقة من العرب والأكراد يعيشون أيضًا فقدانًا كبيرًا للثقة. فهم لا يثقون بالولايات المتحدة ويتركونها وحدها.
والآن لننظر إلى سجل حكم ترامب. فقد جاء إلى السلطة مدعيًا إعادة الولايات المتحدة إلى قوتها السابقة، لكنه يبدو أنه وقّع على دمار كبير لا يمكن تداركه. لم يُحيِ الإمبراطورية الأمريكية، بل على العكس، قام بخطوات زادت من عزلتها. لقد خسر أوروبا، والآن يخسر الشرق الأوسط. إن الهيمنة الأمريكية تنهار أمام أعيننا. ويجب عدم إغفال أن هذا في جوهره انهيار نظامي/عالمي. إنه انهيار متزامن لليورو والدولار والبترو-دولار. ماذا يعني مشهد تُقصف فيه حقول النفط، وتتعطل فيه التجارة النفطية بسبب إغلاق مضيق هرمز، وفي الأيام القادمة باب المندب؟ هذا لا يقتصر على تجارة الطاقة فقط. فإغلاق باب المندب يعني إغلاق البحر الأحمر وتعطل قناة السويس؛ إضافة إلى تعطل تجارة عدد كبير من السلع الحيوية. ومن الواضح أن النتيجة ستكون ركودًا عالميًا، وتضخمًا مفرطًا، ومجاعات. ألم يكن معلومًا منذ البداية أنه إذا اندلعت الحرب فسيُغلق هرمز وباب المندب وستتعطل قناة السويس؟ أيمكن أن يكون أحد من مسؤولي البيت الأبيض أو البنتاغون لم يرَ هذه المخاطر ولو لمجرد التحذير وألا يُنبه الرئيس ترامب؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهل تم تفعيل سلسلة الكوارث هذه عن وعي؟ أم أن البيت الأبيض والبنتاغون تم تضليلهما عمدًا؟ أم أن هناك من قرر في الكواليس تنفيذ حكم إعدام النظام القديم؟ هل وجدوا شخصًا متهورًا يصر على إحياء الولايات المتحدة ليُنهي أمرها؟ هذه أسئلة مجنونة. لكن لمتابعة عالم يجنّ، لا ينبغي الهروب من الأسئلة المجنونة كما هو الحال في الأوقات العادية.
 

عن الكاتب

سليمان سيفي أوغون

كاتب في صحيفة يني شفق




عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين




>