ويرى خبراء أن ارتدادات الحروب الجارية في منطقة الشرق الأوسط لا تقف عند حدود الجغرافيا، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر في أسعار الطاقة عالميا، وهو ما ينعكس بدوره على توازنات المالية العمومية ويزيد من أعباء الدعم الطاقي على ميزانية الدولة التونسية.
وفي هذا السياق، يذهب عدد من المتابعين إلى أن الظرف الراهن يفرض على تونس مراجعة نموذجها الطاقي القائم، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على واردات الغاز، وفي مقدمتها الغاز الجزائري، بما يطرح تحديات تتعلق بالأمن الطاقي واستدامته.
ويبرز في المقابل توجه متزايد نحو ضرورة تسريع الانتقال إلى الطاقات المتجددة باعتبارها خيارا استراتيجيا قادرا على الحد من التبعية للخارج وتقليص كلفة التوريد على المدى المتوسط والبعيد.
وتعكس فرضيات ميزانية الدولة لسنة 2026 حجم هذه الرهانات، إذ تم اعتماد سعر مرجعي لبرميل النفط يتراوح بين 63.3 و68 دولارا، في محاولة للحد من تفاقم العجز التجاري والتحكم في نفقات الدعم، غير أن هذه التقديرات تبقى رهينة تقلبات السوق العالمية التي تتأثر بشكل متسارع بالتوترات الجيوسياسية.
على مستوى الموارد، تشير التقديرات إلى أن احتياطات تونس من النفط تبلغ نحو 425 مليون برميل إلى حدود سنة 2025، وهو ما يعادل قرابة 11.3 ضعف الاستهلاك السنوي، غير أن محدودية الإنتاج وتراجع مردوديته يظلان من أبرز التحديات التي تواجه القطاع.
كما سجل إنتاج الغاز الطبيعي انخفاضا ملحوظا، حيث تراجع إلى 1.20 مليار متر مكعب خلال سنة 2025، مقابل 1.35 مليار متر مكعب في السنة السابقة، أي بنسبة انخفاض تناهز 11%، وفق بيانات مبادرة المنظمات المشتركة للبيانات (جودي).
وتعزز هذه المؤشرات مجتمعة الدعوات إلى إعادة هيكلة القطاع الطاقي في تونس، عبر الاستثمار في الطاقات الشمسية وطاقة الرياح، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بها، بما يسمح بتعزيز السيادة الطاقية وتقليص التعرض للصدمات الخارجية، في عالم باتت فيه الطاقة أكثر من مجرد مورد اقتصادي، بل ورقة ضغط جيوسياسية بامتياز.
تونس أمام تحدي الاستقلالية الطاقية
وفي تصريحات لـ"سبوتنيك"، أفاد الخبير في الطاقة عزالدين خلف الله أن قطاع الطاقة في تونس "يشهد ضغوطا متزايدة في تأمين الإمدادات، تمثلت بالأساس في التراجع المستمر لمؤشر الاستقلالية الطاقية، والتي بلغت 35 بالمئة نتيجة اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي الضعيف والطلب المتزايد".
وقال خلف الله: "هذا الوضع دفع بالبلاد نحو الاعتماد أكثر على الاستيراد، لتأمين احتياجاتها الأساسية"، مبرزا أن هذا التحول يعكس اختلالا هيكليا في توازن المنظومة الطاقية، حيث لم يعد الإنتاج الوطني قادرا على مواكبة نسق الاستهلاك.
وتابع: "بحسب البيانات الرسمية لعام 2025، فإن عجز ميزان الطاقة سجل 6.3 مليون طن مكافئ نفط"، وهو ما يعكس، وفق تعبيره، تفاقم الضغوط على المالية العمومية وارتفاع كلفة التوريد الطاقي.
كما أرجع الخبير في مجال الطاقة هذا العجز والتراجع إلى الهبوط الحاد في مستويات استخراج النفط والغاز من الحقول الوطنية"، في إشارة إلى التحديات التي تواجهها منظومة الإنتاج، سواء على مستوى نضوب بعض الحقول أو محدودية الاستثمارات في الاستكشاف والتطوير.
وذهب خلف الله بالقول إن تفاقم عجز الميزان التجاري الطاقي في تونس "مرتبط بارتفاع أسعار النفط على المستوى الدولي، خاصة في ظل المتغيرات الأخيرة في المنطقة"، وهو ما يزيد من هشاشة الاقتصاد أمام التقلبات الخارجية.
وحول وضعية الغاز في البلاد، أوضح الخبير عزالدين خلف الله أنه "لا يوجد تخوف في الإنتاج في ظل الإمدادات الجزائرية، ولكن قد يكون هناك تخوف من ناحية الأسعار، باعتبار أن سعر الغاز المستورد من الجزائر مرتبط مباشرة بأسعار النفط"، ما يجعل كلفة التزود عرضة بدورها لتقلبات السوق العالمية.
وأفاد الخبير الاقتصادي معز حديدان، في تعليق لـ "سبوتنيك"، أن ما يحدث في المنطقة يحمل في طياته تداعيات سلبية متعددة على الاقتصاد التونسي وميزانية الدولة، في ظل الارتباط الوثيق بين التوازنات المالية وتقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
وأشار حديدان إلى أن ميزانية الدولة بُنيت على فرضية أن سعر برميل النفط سيكون في حدود 63 دولارا، غير أن الأسعار منذ بداية سنة 2026 بلغت مستوى 75 دولارا، وهو ما أدى، وفق تقديره، إلى خسارة تناهز 2 مليار دينار، بما يعكس هشاشة الفرضيات المعتمدة أمام تسارع التحولات الجيوسياسية.
وبين حديدان، أنه من المنتظر أن يبلغ معدل سعر برميل النفط 85 دولارا خلال بقية السنة، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد التونسي، باعتبار أن تونس دولة موردة لجزء مهم من احتياجاتها الطاقية، على حد قوله، الأمر الذي من شأنه أن يفاقم عجز الميزان التجاري ويرفع من كلفة التوريد.
وأضاف: أن "تطور الوضع في المنطقة قد يؤثر بطريقة غير مباشرة أيضًا على معدلات التضخم وعلى أسعار المواد الأساسية"، وهو ما قد يفرض على الدولة التونسية الترفيع في نفقات الدعم أو تعديل أسعار المحروقات، في محاولة للحفاظ على التوازنات المالية والاجتماعية.
وكشف أن "خزينة الدولة ستضطر إلى البحث عن موارد إضافية، سواء عبر اللجوء إلى الاقتراض أو من خلال الترفيع في الأسعار، كما وقع في عديد الدول الموردة للنفط"، في إشارة إلى محدودية الخيارات المتاحة أمام صانع القرار في ظل الضغوط المالية المتزايدة.
ولفت الخبير الاقتصادي، إلى أنه على المدى الطويل، يتعين على الدولة التونسية التعجيل بإيجاد بدائل مستدامة في مجال الطاقة النظيفة، إلى جانب استرجاع نسق الاستثمار في البحث والتنقيب، بما من شأنه أن يعزز القدرة على تقليص التبعية الطاقية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي، وفق تعبيره.
الطاقة المتجددة رافعة لتعزيز الأمن الطاقي
ويرى الخبير في مجال الطاقة عزالدين خلف الله، في حديثه مع "سبوتنيك"، أنه في ظل تفاقم العجز الطاقي، بات من الضروري التوجه نحو خيار الطاقة النظيفة، بالتوازي مع تكثيف عمليات استكشاف الغاز وتسريع إنجاز مشاريع الطاقات المتجددة.
وأضاف: "يجب وضع خطة عملية للمرحلة الحالية، باعتبارها مرحلة صعبة، خاصة بالنسبة إلى البلدان الموردة للطاقة"، في إشارة إلى الحاجة إلى مقاربة متكاملة تجمع بين الحلول الآنية والإصلاحات الهيكلية.
كما يعتبر خلف الله أن الظرف الراهن يفرض على الدولة التونسية تكثيف أنشطة الاستكشاف في قطاع الغاز، من خلال حفر آبار جديدة، بهدف دعم الإنتاج الوطني وتقليص الاعتماد على التوريد، وفق تقديره.
وفي سياق متصل، بيّن الخبير في مجال الطاقة أن "الدولة التونسية تمتلك مقومات طبيعية وجغرافية استثنائية"، مبرزا أهمية مشاريع الربط الكهربائي المتوسطي، التي من شأنها تمكين تونس من تصدير فائض الكهرباء النظيفة خلال فترات الذروة، إلى جانب استيراد طاقة أقل كلفة عند الحاجة.
وأشار إلى أن هذه المشاريع تمثل رافعة استراتيجية لتعزيز الأمن الطاقي الوطني، بما يساهم في الحد من الضغط على المنظومة الكهربائية، ويفتح في الآن ذاته آفاقًا جديدة لتثمين الطاقات المتجددة وتحويلها إلى مورد اقتصادي واعد.