ترك برس
تناول مقال للكاتب والإعلامي التركي إبراهيم قاراغول، تحولات ميزان القوى في الشرق الأوسط بعد التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، مركزا على ما يراه الكاتب فشل المظلة الأمنية الأمريكية في حماية حلفائها وقواعدها العسكرية في المنطقة رغم عقود من التحالف والاستثمارات العسكرية.
يناقش الكاتب في مقاله بصحيفة يني شفق كيف أحدثت هذه التطورات صدمة لدى دول الخليج، ودفعتها إلى التساؤل عن جدوى الاعتماد على الولايات المتحدة في أمنها الإقليمي.
كما يطرح فكرة أن المنطقة قد تتجه نحو بناء نظام أمني جديد قائم على تعاون إقليمي، خصوصًا مع تركيا، في ظل تراجع الدور الأمريكي واحتمالات تصاعد الصراعات وتغير النظام الجيوسياسي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية.
وفيما يلي نص المقال:
لم تتمكن الولايات المتحدة من حماية أي من حلفائها في الشرق الأوسط، فلم تستطع صد صواريخ إيران عن السعودية والكويت وقطر والإمارات والبحرين والأردن. حتى قواعدها العسكرية المنتشرة في عدة دول في الشرق الأوسط لم تستطع الولايات المتحدة حمايتها. فقد تعرضت القواعد العسكرية والبحرية والاستخباراتية الأمريكية في هذه الدول لهجمات كبيرة.
تبين أن الولايات المتحدة لا تملك حتى القدرة على حماية قواعدها في حالة حرب كهذه. فقد تعرضت جميع المنشآت، بما في ذلك الأسطول الخامس في البحرين، وقواعد الرادار، والتجمعات العسكرية الضخمة، للهجمات ولم يتم حمايتها.
تريليونات الدولارات ذهبت سدى
على مدار عقود، كانت الولايات المتحدة تتقاضى تريليونات الدولارات وتقول: «سنحميكم»، لكنها خلال عشرة أيام فقط لم تفعل شيئًا ضد صواريخ إيران، ولم تستطع، وتبين أنها لن تستطيع فعل أي شيء.
تعيش دول مثل السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، والبحرين صدمة كبيرة الآن. ومن المؤكد أنهم يسألون أنفسهم: «كيف أخطأنا بتسليم دفاعنا إلى الولايات المتحدة؟»
الدول التي ظلت تعيش تحت الحماية الأمريكية حتى الآن، تدرك اليوم، في مواجهة هجمات إيران، أنها ستواجه نفس ضعف الحماية غدًا إذا تعرضت لهجمات من قوى أخرى.
حينها الولايات المتحدة لن تحميهم بل ستضربهم
نعلم أنه بعد حرب إسرائيل وإيران، لن تبقى إسرائيل مكتوفة اليدين. ونعلم أن إسرائيل ستهاجم بعض الدول التي هي حاليًا حلفاء للولايات المتحدة. وعندها، لن تحمي الولايات المتحدة أيًا من هذه الدول، بل ستدعم إسرائيل وتضرب هذه الدول. حينها ستختبر دول العرب والخليج صدمة مميتة حقيقية.
كل هذه الاستثمارات كانت لحماية الداخل
الوجود العسكري الأمريكي في دول المنطقة، وقواعده، كان معدًا لحماية هذه الدول من «التهديدات الداخلية» وليس «التهديدات الخارجية». كان الهدف حماية الأنظمة، النخب الحاكمة، الثروات النفطية، والسيطرة عليها.
أعتقد أن هذه الصدمة ستؤثر بشكل جدي على قرارات دول المنطقة المستقبلية. فقد وجدوا أنفسهم عرضة تمامًا للخطر. لكن السؤال الحقيقي هنا: الدول تدرك أن الوجود العسكري الأمريكي، الذي يحميها من التهديدات الداخلية المحتملة، لن يحميها في حال تعرضت لتهديد خارجي إقليمي. كيف ستسد هذه الفجوة؟
ضرورة إنشاء درع دفاع مشترك مع تركيا
مع الأخذ في الاعتبار حالة عدم اليقين القادمة، والتحركات الجغرافية في منطقتنا، والتغيرات الجذرية في ميزان القوى العالمية، أصبح من الضروري اتخاذ بعض التغييرات عاجلًا. الحل هو أن تبني تركيا ودول المنطقة درعًا دفاعيًا مشتركًا.
أوروبا عانت نفس المأساة ولم تحمها الولايات المتحدة
عانت أوروبا نفس الوضع الذي وقعت فيه دول الخليج. عندما هاجمت روسيا أوكرانيا، أدركوا فجأة أنهم عرضة للخطر، وأن وجود الولايات المتحدة وحده لا يكفي لحمايتهم، وأن الولايات المتحدة لا تنوي حمايتهم فعليًا. الآن، يبحثون عن حلول عاجلة للدفاع عن أوروبا، حتى أنهم طلبوا الدعم من تركيا التي طالما تجاهلوها لعقود.
مثل أوروبا، أدركت دول الخليج أن الولايات المتحدة لا تنوي حمايتهم، وأن تركها أوروبا والخليج وحدهم بهذا الشكل، أو عدم قدرتها على حمايتهم، يمثل كسرًا كبيرًا سيهز النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
استخدموا التنظيمات والدول ثم تخلصوا منها
لعبت تنظيمات مثل واي بي جي/بي كا كا وتنظيم حزب الحياة الحرة لكردستان (PJAK) دور المقاول بالوكالة في العدوان الأمريكي والإسرائيلي على منطقتنا، وكان يُنظر إليها كقوى يتم التخلص منها بعد الانتهاء من مهامها، وهذا ما رأيناه في سوريا.
واليوم يسعون إلى توجيه هذه القوى نفسها ضد إيران. ورغم ما قد يظهر من تردد في الوقت الراهن، إلا أن من الواضح أنها ستنخرط في ذلك مع تقدم الحرب. وقد أدى هذا الدور الوكالي إلى ترسيخ صورة القومية الكردية في نظر كثيرين كأنها "إسرائيل ثانية"، ما جعلها تُدرج ضمن خانة العدو المشترك في المنطقة.
والأمر الأخطر أن التنظيمات كانت تُستخدم ثم تُتخلص منها، مثل بي كا كا و«داعش». الآن الدول تُستخدم وتُتخلص منها. دول منطقة الخليج والشرق الأوسط، بلا استثناء، هي حلفاء للولايات المتحدة، بل هناك نوع من الاندماج مع الولايات المتحدة.
صنعوا تهديدات مستمرة للأمة العربية
يتضح أن علاقة التحالف كانت نوعًا من الوكالة لصالح الهيمنة الأمريكية. فقد قدموا دائمًا تهديدات للأمة العربية لتوجيهها كما يريدون: تهديد صدام، تهديد القاعدة، تهديد الإخوان المسلمين، تهديد إيران، والآن يروّجون لتهديد تركيا.
الدول التي صممت على هذا النحو، إذا لم تستيقظ عاجلًا، قد لا يكون لها غد. ويمكن أن تنقسم إلى أجزاء صغيرة جدًا.
من المؤكد أن إسرائيل ستستهدف بعد إيران باكستان، ومصر، والسعودية، وتركيا، مستخدمة القوة الأمريكية لذلك. السؤال: هل ستنجح اللعبة التي استمرت عقودًا؟ إذا نجحت، فكل الشعوب في المنطقة ستكون تحت التهديد.
«إيران الإقليمية» انهارت فهل يمكن أن تنهار داخليًا أيضًا؟
تم إخراج إيران أولًا من سوريا، وضعفت في لبنان. مشروع «إيران الإقليمية» انهار. كل المبادرات التي نفذتها إيران منذ حرب إيران والعراق على المستوى الإقليمي أصبحت بلا قيمة.وتبين أن السياسات الإيرانية التي عصفت بالمنطقة منذ عام 1979، والتي خلفت أضرارًا لا تقل عن أضرار الاحتلالات والهجمات الأمريكية والإسرائيلية، لم تكن في نهاية المطاف سوى وهمٍ كبير.
بدأت الهجمات المسماة «حرب 12 يومًا». استهدفت إيران داخليًا، وشهدنا أمثلة وخيانات عديدة جعلت الجميع يتساءل كيف بقيت الدولة قائمة. إيران داخليًا كانت شبه متحللة! لم تتعرض للهجوم فقط، بل فقدت مصداقيتها وتعرضت للإذلال.
تبعتها احتجاجات داخلية، نظمتها الاستخبارات الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية لعقود، وبدأت احتجاجات جماهيرية. بعد حرب 12 يومًا، كانت إيران تضعف من الداخل للمرة الثانية.
تم السيطرة على الاحتجاجات، وبدأت حملة تصفية كبيرة داخليًا. وعندما بدأ الوضع يستقر، أقنع نتنياهو ترامب بشن هجوم جديد على إيران بحجة تغيير النظام أو البرنامج النووي، لكن الهجمات الإسرائيلية كانت في الواقع ثأرًا.
قالوا: «ضعفناهم، لننهيهم»، لكن الأمور لم تسر كما توقعوا
إيران لم تنهار
كان يُتوقع أن تنهار إيران بعد هذا الهجوم، وربما أقنع نتنياهو ترامب بذلك. لكن لم يحدث كما توقعوا. مثلما صُدمت دول الخليج لعدم وجود درع أمريكي، صُدمت الولايات المتحدة من رد إيران الحاد والقوي.
لم يتوقع أحد أن تكون صواريخ إيران وطائراتها المسيرة فعالة إلى هذا الحد، ولم يتوقع أحد أن تضرب إيران قواعد الولايات المتحدة أولًا لتخفف الضغط، وأن تضرب في الوقت نفسه القواعد الأمريكية والدول الإقليمية وإسرائيل.
ظنوا أن هجماتهم المبنية على الخوف ستنجح، وأن إيران ستقبل الهزيمة، وأن قتل خامنئي سيحطم إيران عاطفيًا، لكن الأمور لم تسر على هذا النحو.
دول المنطقة لم تقع في فخ إسرائيل
لا تستطيع الولايات المتحدة إطالة أمد هذه الحرب التي بدأت من دون تخطيط واضح، كما لا تستطيع إسرائيل ذلك أيضًا. فإذا واصلت إيران الصمود، وكانت قدرتها تسمح لها بالاستمرار، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى التراجع. ذلك أنهم لم يتمكنوا من إسقاط إيران من الداخل، ولم يشنّوا هجومًا بريًا، ولذلك أخفقت حساباتهم.
إسرائيل ستستخدم السلاح النووي! وسينتهي دور الولايات المتحدة في المنطقة
إسرائيل قد تستخدم السلاح النووي كخيار أخير، وستنفذ مجازر جماعية في إيران، وستكون مسؤولية الولايات المتحدة قائمة.
الهجوم النووي سيغير خريطة المنطقة بالكامل، وسيضع الجميع في حالة تأهب ضد إسرائيل. عندها، ينتهي كل دور للولايات المتحدة في المنطقة، ولا يمكن لأي قوة أو خطاب أن يضمن وجود القوة الأمريكية.
ماذا لو استخدمت إيران السلاح النووي ضد إسرائيل؟
حاليًا، الولايات المتحدة خسرت العالم من أجل إإسرائيل، وأصبحت دولة مارقة معادية لكل الدول، بلا سمعة أو أمان عالمي.
هذا الوضع غير مستدام طويلًا، وخسارة الولايات المتحدة للمنطقة قد تحدث أسرع مما نتوقع.
إسرائيل ستستخدم السلاح النووي ضد إيران، لكن ماذا لو كانت إيران تمتلك السلاح النووي أيضًا؟ يمكن أن تستخدمه ضد إسرائيل، وهذا ممكن. إسرائيل صغيرة الحجم، ولن تتمكن من التعافي بعد هجوم نووي، وستنهار تمامًا.
إذا نظرنا من منظور طائفي سنكرر أخطاء إيران
إذا تم النظر إلى القضية الإيرانية بمنظور طائفي، فلن نتمكن من قراءة مستقبل المنطقة بشكل صحيح، وسنكرر أخطاء إيران على مدى أربعين عامًا. نحتاج إلى نظرة جغرافية شاملة،تتمثل بالاستراتيجية والاستعداد.
الهجمات على إيران ليست لأسباب طائفية. لم يُهاجموا السودان، الصومال، سوريا، العراق، أو أفغانستان طائفيًا.
الدول السنية يجب ألا تقع في عمى الطائفية مثل إيران، ولا تتخذ موقفها وفقًا له، ويجب أن تنظر إلى مستقبل دولها ومنطقتها من منظور جغرافي واسع.
الولايات المتحدة لم تعد قادرة على البقاء في الشرق الأوسط
تصرفت دول الخليج حتى الآن بصبر وهدوء كبير، ليس خوفًا كما تزعم روسيا، بل لأنها رأت خطة إسرائيل لتدويل الحرب.
إذا ظهرت هذه النتائج قبل مرور أسبوعين فقط، فهذا يعني أن الحرب ستكون مدمرة للولايات المتحدة أساسًا.
دولة لا تستطيع حماية قواعدها العسكرية لن تستطيع البقاء في هذه المنطقة بعد الآن، والأرض تحت أقدامها قد انزلقت.