ترك برس
تناول مقال للكاتب والمحلل التركي قدير أوستون، تحوّل السوبر بول من حدث رياضي وترفيهي جامع إلى ساحة صدام رمزي على هوية الولايات المتحدة، حيث بات عرض ما بين الشوطين والإعلانات والطقوس المصاحبة له يعكس الاستقطاب السياسي والثقافي العميق داخل المجتمع الأمريكي.
ومن خلال مقارنة أداء باد باني الداعي إلى التعددية الثقافية باحتجاجات كولين كايبرنيك ضد العنصرية، يبيّن الكاتب كيف أصبحت كرة القدم الأمريكية مرآة لصراع أكبر بين قومية «أمريكا البيضاء» التي يمثلها تيار دونالد ترامب، وبين رؤية تعددية ترى أمريكا فضاءً للهويات المهاجرة والمتنوعة، ما يجعل هذا الحدث الشعبي بمثابة استفتاء سنوي على معنى «من هي أمريكا؟».
وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:
تتجاوز مباراة «السوبر بول»، وهي المباراة النهائية التي تُحدد فيها بطولة كرة القدم الأمريكية، كونها مجرد لقاء رياضي بكثير. فهي، إلى جانب كونها طقساً احتفالياً اجتماعياً وثقافياً، تمثل أيضاً إحدى اللحظات الأيقونية في صناعة الترفيه. ومع تحول عرض ما بين الشوطين في «السوبر بول» خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز ساحات الاستقطاب المجتمعي، بدا واضحاً منذ الإعلان عن مشاركة مغني الراب البورتوريكي باد باني أن فقرته ستتضمّن دلالات سياسية.
فقد أثار باد باني ردود فعل غاضبة في أوساط التيار المحافظ في أمريكا البيضاء، بعدما ذكّر بالتعددية الثقافية للهوية الأمريكية من خلال فقرة أدّاها في معظمها باللغة الإسبانية خلال نهائي أكثر الرياضات التصاقاً بالهوية الأمريكية.
واختتم الفنان عرضه بمرافقة أعلام جميع دول أمريكا الشمالية والجنوبية، في ما بدا دفاعاً عن أن «أمريكا» لا تقتصر على الولايات المتحدة وحدها، كما أثار جدلاً واسعاً بإشاراته الضمنية المنتقدة لسياسات الهجرة القومية المتشددة التي يتبناها دونالد ترامب.
وقد عكست محاولة المحافظين المقربين من ترامب إعداد عرض بديل رداً على الأداء الذي سعى إلى التأكيد على أن ثقافة أمريكا اللاتينية جزء لا يتجزأ من الهوية الأمريكية، استمرار الصراع الهوياتي داخل البلاد بأقصى حدته. ويشير التنافس بين العرضين المتقابلين، اللذين يجسدان رؤيتين مختلفتين لأمريكا، إلى أن الصراع بين القومية الضيقة لأمريكا البيضاء والتعددية الثقافية تحول في عهد ترامب إلى صدع اجتماعي عميق.
كلاسيكيات أمريكية
لقد شكلت كرة القدم الأمريكية، التي تناولتها العديد من الأفلام الكلاسيكية مثل «Jerry Maguire» و«The Blind Side» و«Any Given Sunday»، مادة ثرية لهوليوود، إذ طرحت موضوعات مثل الفوارق الطبقية، والعنصرية، وقسوة صناعة الرياضة الرأسمالية، والوجه الحقيقي للحلم الأمريكي، والحراك الاجتماعي، وصراعات النفوذ السياسي.
كما أصبحت كرة القدم الأمريكية تعبيراً عن الرجولة والقوة البدنية والقدرة على تحمل المشاق، إضافة إلى النزعة القومية الممتلئة بالرموز العسكرية. وتُعد هذه الرياضة أحد أهم عناصر ثقافة المدن الصغيرة والأرياف الأمريكية، كما تتيح لفرق الجامعات تحقيق قوة اقتصادية كبيرة من خلال عائدات الرعاية والإعلانات والجماهير.
وبفضل تعدد أبعادها، من الخلفيات الاجتماعية للاعبين إلى نفوذ صناعة الإعلام، تحولت كرة القدم الأمريكية إلى ظاهرة تعبر بوضوح عن المخيال الأمريكي الذي يصور ذاته بوصفه «البطل الذي يحقق المستحيل».
وتعد كرة القدم الأمريكية رياضة لا تحظى بحضور اجتماعي وثقافي يذكر خارج الولايات المتحدة، ما يجعلها تجسيداً واضحاً لما يعرف بـ«الاستثنائية الأمريكية»، ومصدراً للفخر في الخطاب القومي. وقد أصبح من التقاليد أن يتابع نهائي الموسم، المعروف باسم «السوبر بول»، ليس عشاق الرياضة فقط بل المجتمع الأمريكي بأسره.
فالمباراة، التي ترافقها تجمعات عائلية ولقاءات الأصدقاء وحفلات الشواء في مواقف السيارات والإعلانات التي تُعرض للمرة الأولى والعروض الفنية بين الشوطين، تحولت إلى مهرجان استهلاكي شامل وإلى ظاهرة ثقافية يُحتفى فيها بالهوية الأمريكية. غير أن مضمون هذه الهوية وطريقة الاحتفاء بها أصبحا خلال السنوات الأخيرة موضوع نقاشات حادة تعكس الاستقطاب السياسي داخل البلاد، إذ تحولت أكثر وسائل الترفيه الأمريكية تقليدية إلى ساحة تُواجه فيها الانقسامات الاجتماعية وتُحاول فيها معالجة الصراعات الهوياتية.
جبهة جديدة للاستقطاب
في عام 2016، أثار ركوع لاعب كرة القدم الأمريكية كولين كايبرنيك أثناء عزف النشيد الوطني احتجاجاً على عنف الشرطة والعنصرية جدلاً حاداً، إذ ساهم في نقل قضية العدالة العرقية إلى صدارة النقاش الوطني، وفي الوقت نفسه عمّق الانقسام بين المحافظين والليبراليين.
وقد هاجم ترامب هذا الاحتجاج بشدة خلال حملته الرئاسية، معتبراً أنه موجه ضد رموز مثل العلم والنشيد الوطني، ووصفه بأنه موقف مناهض لأمريكا. وبعد الواقعة التي أنهت مسيرته الاحترافية، أطلق كايبرنيك حملة إعلانية كبرى مع شركة «نايك»، وشارك في مشاريع تهدف إلى مكافحة عنف الشرطة وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وأثارت هذه القضية نقاشات واسعة، امتدت من علاقة الرياضة بالسياسة إلى سياسات الهوية العرقية، ومن مفهوم الهوية الوطنية إلى القيود التي تفرضها رابطة دوري كرة القدم الأمريكية على حرية التعبير بدوافع تجارية، ما جعل محتوى العروض الفنية والإعلانات المرتبطة بهذا الحدث الرياضي أكثر حساسية.
وفي فيلم «Any Given Sunday» للمخرج أوليفر ستون، الذي تألّق فيه آل باتشينو بخطابه الشهير «إنش باي إنش» (سنتيمتراً بسنتيمتر)، تُصور كرة القدم الأمريكية ليس بوصفها منافسة رياضية تُحسم على أرض الملعب فحسب، بل كساحة صراع شرس بين رأس المال الضخم ونفوذ الإعلام والهويات الثقافية.
وقد أعطى «السوبر بول» الذي أُقيم الأحد الماضي انطباعاً مشابهاً، إذ بدا وكأنه ساحة ثقافية تتصادم فيها رؤيتان مختلفتان لأمريكا. ولم يعد عرض ما بين الشوطين مجرد فقرة ترفيهية رياضية، بل تحول إلى استفتاء رمزي تُرسم من خلاله حدود الهوية الأمريكية. ويشير هذا «الاستفتاء» إلى مفترق طرق بين خيار الاندماج الثقافي وخيار الصراع الهوياتي.
كما يمكن قراءة عبارة آل باتشينو الشهيرة «إما أن نتعافى الآن كفريق واحد أو نموت كأفراد» بوصفها استعارة تلخص هذه اللحظة الحاسمة. ويُمكن أيضاً فهم العبارة التي ظهرت على الكرة التي رفعها باد باني أمام الكاميرات في ختام عرضه — «معاً، نحن أمريكا» — على أنها دعوة مماثلة للوحدة والاندماج.
ويتقاطع انتقاد كايبرنيك لكون الرموز الوطنية تُستخدم للتغطية على المشكلات العرقية في أمريكا مع انتقاد باد باني لمحاولات اختزال الهوية الأمريكية في هوية واحدة. فكلاهما يؤكد أن «الحلم الأمريكي» ليس متاحاً بالقدر نفسه لجميع الأعراق والأصول الإثنية، ويدافع عن ضرورة إعادة تصور الهوية الوطنية على نحو أكثر شمولاً.
وفي المقابل، يقف التيار القومي المرتبط بترامب، الذي يركّز على قدسية الرموز الوطنية ويدعو إلى عودة أمريكا إلى القيم الأساسية التي رسختها الطبقة البيضاء الأنغلوساكسونية المهيمنة. ومن الصعب التنبؤ بما إذا كان لهذا الصراع الهوياتي فائز واضح. غير أن تحول فعالية ثقافية أمريكية تقليدية مثل «السوبر بول» إلى واحدة من أحدث ساحات الاستقطاب السياسي يكشف أن صراع الهوية في الولايات المتحدة بات يتسرّب إلى جميع مجالات الحياة.