"متحفٌ في كتاب": محاولة في جمع شمل التشكيل العراقي

العربي الجديد

"متحفٌ في كتاب": محاولة في جمع شمل التشكيل العراقي

  • منذ 1 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:

في البحث عمّا يجمع تراث الفنّ العراقي وذاكرته بما يُعبّر عن تطوُّره خلال مراحله المختلفة، يجد المرء أنّه أمام تراث متشظّ وموزَّعٍ في أماكن كثيرة، ما عدا ما استطاعت المؤسَّسات الثقافية جمعه، أو الحفاظ عليه عبر سنوات شهدت تقلّبات سياسية وحروب وغزو وصراعات مجتمعية في الساحة العراقية، أثّرت بدورها على الواقع الثقافي في البلاد.

هكذا، ظلّت الذاكرة العراقية، ولفترة طويلة، تشكو من غياب التوثيق، وضياع الآلاف من الأعمال التي تُمثّل مراحل مهمّة من تطوّر التشكيل العراقي، ولم يبق منها في عهدة المؤسَّسة العراقية إلّا عدد قليل مما لم يُسرَق أو يختفي.

في نهاية التسعينيات، ومع بدء الحرب الأميركية على العراق، بدأ الطبيب العراقي حسنين الإبراهيمي (1962) رحلةَ بحث واقتناء للأعمال الفنّية العراقية، وبعض الأعمال الأجنبية، ليجمع خلال ثلاثين سنةً مجموعةً من الأعمال في مجالات الرسم والنحت والخزف؛ حيثُ ضمّت مقتنياتُه مئات اللَّوحات والقطع النحتية، وبعض الأعمال الخزفية النادرة، والتي أنجزها عدد من أبرز الفنّانين التشكيليّين العراقيّين.

يتضمّن العمل شروحات مختصرة عن طبيعة كلّ عمل وتاريخه

جمع الإبراهيمي تلك المقتنيات ضمن مجموعة باسم "مجموعة الإبراهيمي للفنون التشكيلية"، توزّعت بين مقرَّين؛ أحدُهما في عمّان، والثاني في بغداد، حيث يجري في هذين المقرين، وبشكل مستمرّ، البحث عن الأعمال الفنّية الهامّة واقتناؤها.

ويسعى الإبراهيمي، من خلال هذا المشروع، إلى بناء فضاء خاصّ يضمّ أهم الأعمال الفنّية العراقية، والتي يمكن من خلالها تدوين تاريخ الفن العراقي المعاصر بطريقة عِلمية، حيث تعتمد المجموعة في اقتناء الأعمال على أصالتها والتأكّد من عائديتها إلى أصحابها، وشرائها منهم بالطُّرق القانونية. وتمرّ الأعمال الفنّية التي تُضمّ إلى المجموعة بسلسلة توثيق طويلة، عبر مستشارين أو خبراء فنّيّين، أو وثائق أُخرى؛ من صور فوتوغرافية ووصولات بيع، كما تجري الاستعانة بعائلات الفنّانين في توثيقها.

فمثلاً، تُشرف على مجموعة التشكيلي العراقي فائق حسن (1914 - 1992)، التي تضمّ 16 عملاً وتبلغ قيمتها قرابة مليونَي دولار أميركي، هيئة استشارية تتكوّن من أسماء فنّية عراقية بارزة؛ مثل: المعماري معاذ الألوسي، والتشكيلي ضياء العزاوي، والناقد سهيل سامي نادر، والمعمارية ندى شبوط.

إلى جانب الجمع، عملت المجموعة على أرشفة الأعمال الفنّية عبر موقعها الإلكتروني (www.ibrahimicollection.com)، في سبيل إتاحتها للباحثين والفنّانين عبر العالم، حيث أُسِّس لكلّ فنّان عراقي أرشيفٌ خاصٌ بسيرته وإنجازاته الإبداعية، وكلّ ما يتعلّق به من كتب وبحوث ومقالات ومقاطع فيديو، يجري تحديثها باستمرار حسب ما يستجدّ من معلومات، لتعزيز القيمة التاريخية للفنان وعمله الفنّي.

وضمن سعيه إلى تأسيس مكتبة تضمّ كلّ الكتب الفنّية والبحوث والمقالات والتسجيلات السمعية والمرئية لتاريخ الفن العراقي، منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن، أصدر حسنين الإبراهيمي، حديثاً، باكورة مشروعه "متحفٌ في كتاب" عن "دار خطوط وظلال"، والذي ضمّ أعمال مرحلة التأسيس والريادة والجماعات الفنّية في العراق.

يحتوي الإصدار، التي تضمّن مقدّمةً للناقدة مي مظفّر ومقالاً للفنّان علي طالب، أكثر من 384 صورة فنّية من المقتنيات التي جمعها الإبراهيمي خلال أكثر من ربع قرن، ويتوزّع على 432 صفحة ملوَّنة استعرضت تجربته في جمع الأعمال الفنّيّة ورعايتها وتوثيقها وتحويلها إلى مجموعة مطبوعة في كتاب.

كما يتضمّن الكتاب شروحات مختصرة عن طبيعة كلّ عمل، وتاريخه، والأحداث السياسية أو الثقافية التي كانت الحافز لخروجه، والتي تُبيّن للقارئ طبيعة البيئة التي كان يعيشها الفنّان وعصره، مع ذكر المَعارض التي عُرض فيها العمل. ولم تخلُ شروحات الكتاب من اقتباسات نقديّة كُتبت عن الفنّان وعمله من قبل النقّاد، لتسهيل فكّ مغاليق العمل الفنّي وفهم التجربة.

يتوجّه الكتاب أساساً إلى غير المُتخصِّصين في الفن التشكيلي، وللأجيال التي فاتها الاطّلاع على تراث الفنّ التشكيلي وروّاده، وهو محاولة لتعريفهم بأبرز الفنّانين من خلال أعمالهم وظروف إبداعها.

"متحفٌ في كتاب" هو الجزء الأول من سلسلة أجزاء لاحقة يُنتظَر أن تُطلقها "مجموعة الإبراهيمي الفنّية" خلال الفترة المقبلة، والتي تسعى لإعطاء صورة عن الحركة التشكيلية للفنّ الحديث في العراق، منذ تأسيسها في نهاية القرن التاسع وحتى اليوم.



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>